عربي
يوثق التحقيق حالات إعدام لذوي الإعاقة العقلية ومرضى نفسيين في غزة، قتلتهم قوات الاحتلال من المسافة صفر أو قنصاً أو تجويعاً، وفي بعض الحالات كان السبب دخولهم مناطق سيطرتها تائهين أو باحثين عن الطعام.
- بينما كان أفراد عائلة الشاب الغزي، عبد الرحمن شراب (19 عاما) منهمكين في ترميم خيمتهم التي مزقتها عاصفة قوية نهاية مارس/آذار الماضي، غفلوا عن ابنهم الذي يعاني إعاقة ذهنية. فخرج وحده وغادر منطقة مواصي خانيونس جنوبي القطاع، وحملته قدماه إلى مفترق العلم غرب رفح داخل نطاق "الخط الأصفر" الخاضع لسيطرة إسرائيلية كاملة وتحيطه كاميرات المراقبة، لتنتهي حياته القصيرة، برصاص قنّاص إسرائيلي.
لم يكن عبد الرحمن قادرا على إدراك المخاطر المحيطة به أو تمييز ما يجري حوله، وكانت ملامحه تؤكد حالته الصحية المتبدية في هيئته وحركته وسلوكه، كما يروي والده وليد شراب، ورغم ذلك، أطلق عليه جنود الاحتلال النار ما أدى الى إصابته بجروح بليغة، فبقي مكانه ينزف لعدة ساعات، إلى أن سمح الجيش الإسرائيلي بنقله للمستشفى، حيث بقي عدة أيام إلى أن فارق الحياة.
على الرغم من امتلاك جنود الاحتلال أجهزة رؤية متطورة تمكنهم من تمييز كل ما يحيط بأي شخص يقترب منهم بوضوح، بل وحتى التأكد من شخصيته وما في يده إن كان يحمل شيئا ما عبر أجهزة وكاميرات مثبتة، تكررت وقائع استهداف ذوي الإعاقة الذهنية، وكما تؤكد بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فإن نهج الاحتلال متعمد، إذ استشهد منذ فبراير/شباط الماضي وحتى منتصف إبريل/نيسان الجاري 10 شبان ممن يعانون إعاقات ذهنية أو من بين المرضى النفسيين، من بينهم زايد النباهين، محمد موسى الفرا، وسعيد جواد بربخ، عبد الجابر العقاد، إضافة إلى سفيان العقاد، وعبد الجابر مروان الأسطل، وعمر عطية الأسطل.
تصفية متعمدة
إلى جانب النهاية المأساوية للمعاقين ذهنيا بنيران القناصة الإسرائيليين، ثمة أشكال أخرى من القتل والتعذيب في ظل حرب الإبادة على غزة، أبرزها التجويع الذي نال من 60 معاقا ذهنيا، كما قضى آخرون جراء المرض والبرد إذ هاموا على وجوههم في الشوارع ولم يستدل على عائلاتهم أحد، بحسب رصد أجراه معد التحقيق بالاستعانة بمؤسسات حقوقية وكذلك سؤال الأسر، ومن بين هؤلاء الشاب حسن الأخرس من رفح، الذي توفي في خانيونس بعدما أنهكه الجوع والمرض، إلى جانب إبراهيم الرخاوي الذي واجه المصير ذاته.
عموماً يمثل ذوو الإعاقة بمختلف فئاتهم 15% من أهالي غزة
بشكل عام يمثل ذوو الإعاقة بمختلف فئاتهم، 15% من عدد أهالي غزة، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (حكومي)، وبما أنهم الفئة الأقل قدرة على النزوح والهرب، فإنهم يتصدرون قوائم الضحايا في المناطق التي تعرضت للقصف المكثف والتوغل البري، كما يقول الحقوقي محمد جمال الخيري منسق أعمال مركز غزة لحقوق الإنسان (أهلي)، مضيفا: "قضى هؤلاء لانعدام القدرة الإدراكية لديهم، إذ وثق المركز حالات من هذه الفئة قتلت داخل منازلها لأنها ببساطة لم تدرك معنى التحذير أو تفهم كنه أوامر الإخلاء، فالشخص الذي يعاني مثلا من إعاقة ذهنية حادة لا يملك القدرة على تقدير الخطر أو اتخاذ قرار الهروب السريع، مما يجعله ضحية حتمية للقصف المباشر".
ويضاف إلى ذلك استهدافهم بشكل مباشر، يقول الحقوقي الخيري: "من خلال عملنا الميداني، وتنسيقنا مع المنظمات الشريكة، رصدنا وبشكل مؤكد تكرر استهداف وقتل أشخاص يعانون من إعاقات ذهنية وعقلية حادة مثل اضطراب طيف التوحد، ومتلازمة داون، والذهان الإدراكي".
ومع صعوبة حصر العدد الدقيق للحالات المستهدفة وفق الخيري، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعذر الوصول إلى بعض المناطق ميدانيا، تشير تقديرات المركز المتقاطعة مع المؤسسات الشريكة إلى استشهاد مئات الأشخاص من هذه الفئة، وهو ما يتطابق مع رد مركز المعلومات في وزارة الصحة بغزة، بأنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الشهداء من ذوي الإعاقات الذهنية، لكن وفق تقدير الدكتور صبحي فرحات الكادر في الإدارة العامة للصحة النفسية بالوزارة، وبحسب بيانات متقاطعة جمعها معد التحقيق عبر وزارة الصحة والدفاع المدني، والمؤسسات الحقوقية، قُتل 300 حالة من ذوي الإعاقة الذهنية خلال الحرب، بينهم أطفال وبالغون. ومن بين الضحايا الخمسينية الغزية هندة، التي عرفها أهالي منطقة القرارة في محافظة خانيونس جيداً، إذ كانت تجوب الشوارع وتطرق الأبواب طلباً للطعام فقط. وعُثر على جثمانها بعد أن أطلق جنود الاحتلال النار عليها في بلدة القرارة عام 2024.
الحالات السابقة تؤكد بما لا يدع مجالا للبس، تعمد جنود الاحتلال تصفيتهم رغم وضوح حالتهم ووضعهم العقلي، وعدم قدرتهم على الفهم أو الاستجابة للأوامر، كما يقول الدكتور محمد المغير، مدير الإمداد والتجهيز في المديرية العامة للدفاع المدني، مضيفا: "رصدنا عشرات الحالات لقتل أشخاص من ذوي الإعاقة الذهنية، ضمن سياقين رئيسيين: الأول، بقاء بعضهم في مناطق طلب الاحتلال إخلاءها، نتيجة صعوبة نقلهم من قبل ذويهم، والثاني، وصول آخرين إلى مناطق تمركز قوات الاحتلال داخل القطاع. وحالات إعدام ميداني طاولت بعضهم في أماكن سكناهم أو لمن دخلوا عن غير إدراك إلى مناطق انتشار القوات الإسرائيلية".
وقع هذا للشاب عبد الجابر، وهو من ذوي الإعاقات العقلية وكان معروفاً للجميع بحكم تواجده الدائم وسط الناس في سوق خانيونس، يعطفون عليه، ويطعمونه ويعطونه بعض المال، إلا أنه بقي في المدينة عندما صدر أمر إخلائها في شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2023، بعدما خرج الجميع، وبقي وحده يدور في شوارعها، حتى قتله الاحتلال، وعثر لاحقاً على جثته وعليها آثار طلقات نارية.
تتقاطع تفاصيل حالة عبد الجابر، مع ما رصده تقرير نشرته الأمم المتحدة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 وجاء فيه أن أوامر الإخلاء المتعددة تجاهلت تماماً الأشخاص ذوي الإعاقة الذين غالباً ما يواجهون صعوبات بالغة في اتباع التعليمات أو فهمها، مشيراً إلى "الأشخاص ذوي الإعاقة بلا حماية تماماً، فيُقتلون ويُصابون عبر هجمات عشوائية على الرغم من عدم تشكيلهم أي تهديد أمني، ما يؤكد الهجوم المتعمد على المدنيين من قبل إسرائيل".
تفكيك منظومة الصحة النفسية
يصل عدد من يعانون من اضطرابات نفسية مزمنة كالفصام العقلي واضطراب المزاج ثنائي القطب "Bipolar Disorder"، والأمراض النفسية الأخرى إلى 50 ألفا في القطاع، بحسب إفادة الخبير والدكتور فضل عاشور، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر وأحد العاملين في برنامج الصحة النفسية بالقطاع كما أجرى العديد من الدراسات عن مرضى الفصام، مؤكدا أن العدد تزايد أثناء الحرب، لا سيما مع تراجع حاد في عملية العلاج وتدمير مراكز التأهيل النفسي. وطاولت الفئة هذه سلسلة انتهاكات متراكمة خاصة مرضى الفصام العقلي، إذ دمر جيش الاحتلال، مستشفى الطب النفسي الوحيد في القطاع المخصص لعلاجهم ولمبيت الحالات الصعبة، وكذلك لم تعد عيادات الرعاية الأولية النفسية فعالة، بالتوازي مع الحصار المشدد الذي حال دون حصول المرضى على أدويتهم الضرورية منها على سبيل المثال Olan Zid Leeponx Haludul Dkunwet -Srikouin، وهكذا أصبح مئات المرضى يهيمون في الطرقات، مع صعوبة سيطرة الأهل عليهم، بسبب مصاعب الحياة في الخيام، وعدم وجود مكان مخصص يمكن أن يؤويهم كما كان الحال قبل الحرب، وفق ما يلاحظه الدكتور فرحات، مقدرا عدد الحالات الحرجة ومن بحاجة إلى مبيت في مشاف نفسية بينما هم الآن في الشوارع والطرقات نتيجة الوضع السائد بين 350 و500 حالة، وهؤلاء معرضون للقتل من قبل الاحتلال.
دمرت القوات الإسرائيلية مرافق الصحة النفسية
تؤرق المخاوف والمتاعب هذه، خالد محمود، الذي يعجز عن حماية شقيقه المصاب بمرض الفصام العقلي والسيطرة عليه، إذ توجه أكثر من مرة إلى مراكز صحية لجلب دواء يساعدهم في ذلك، ولم يجد، موضحاً أن شقيقه فقد أكثر من مرة ووجدوه في مناطق خطرة شرق خان يونس، لكن وإن كانوا قد نجحوا في إعادته، إلا أنهم لا يضمنون نجاته دائما، ففي إحدى المرات تعرض لإطلاق نار من قبل قناص إسرائيلي وكان قاب قوسين أو أدنى من الموت، ما يجعل الأسرة تعطل حياة أحد الأفراد باستمرار ليراقبه خشية مغادرة الخيمة الصغيرة، "والتي لا يمكن أن تكون مكانا لمريض فصام" يقول محمود، مشيرا إلى أن شقيقه إن اتجه جنوباً لمسافة 1 كيلو متر فقط سيصل إلى مواقع الاحتلال في رفح، وإذا ما توجه شرقاً على بعد كيلومترين يكون في مرمى قناصة الاحتلال شرق خان يونس، إذ يسيطر الاحتلال على مساحة 59% من قطاع غزة، ويستهدف كل من يقترب من مناطق وجوده دون تمييز.
ضحايا ردود فعل عكسية
يُظهر المرضى النفسيون وذوو الإعاقات العقلية عادة ردود فعل عكسية عند الشعور بالخطر كما يوضح فرحات، كأن يتجه أحدهم بسرعة إلى أي شخص يشاهده، في محاولة لطلب الأمان، دون تمييز بين من يريد مساعدته أو قتله، وهو ما حدث مع الستيني حسن جرير، الذي كان يعاني من إعاقة ذهنية كما أنه فاقد للنطق، ومن ثم اتجه جرياً نحو مناطق يوجد فيها جنود الاحتلال طلباً للطعام فقتلوه، وتم العثور عليه في منطقة أبو العجين شمال بلدة القرارة، جنوبي قطاع غزة، بعدما دفنت جثته تحت أنقاض منزل هدمته جرافات الاحتلال بحسب شهادة يوسف عوض أحد سكان البلدة ممن عرفوا الشهيد.
وفي وضع لا يختلف كثيرا، قتل جنود الاحتلال باسم أبو حليب الذي كان يعاني من إعاقة ذهنية، وعُثر على جثمانه بعد عدة أشهر على فقدانه في بلدة القرارة، ووفق رواية شقيقه حازم، فإن باسم فُقدت آثاره عندما كانوا يحاولون إخلاء البلدة نهاية العام 2024، وتبين لاحقاً أن جنود الاحتلال أعدموه، موضحاً أن أخاه عندما يشعر بالخوف يصدر أصواتا قد يكون هدفها طمأنة نفسه أو لفت انتباه الآخرين، ويبدو أن هذه الأصوات كانت سبباً لقتله.
لكن كيف تصنف تلك الجرائم وفق قواعد القانون الدولي؟ يجيب الحقوقي الخيري معتمدا على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تنص المادة 11 منها على أن "تتعهد الدول الأطراف وفقاً لمسؤولياتها الواردة في القانون الدولي، بما فيها القانون الإنساني الدولي (يطبق في زمن النزاع)، وكذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان (يطبق في زمن السلم والحرب)، باتخاذ كافة التدابير الممكنة لضمان حماية وسلامة ذوي الإعاقة الذين يوجدون في حالات تتسم بالخطورة، بما في ذلك حالات النزاع المسلح والطوارئ الإنسانية والكوارث الطبيعية".
بلا شك "إنها جرائم حرب" موجعة، كما يصف الخيري ألم العمل على وقائع استهداف 50 من ذوي الإعاقة الذهنية قتلوا برصاص قناصة أو في مداهمات ميدانية لعدم الامتثال لأوامر جنود الاحتلال، مثل رفع الأيدي أو الوقوف في مكان محدد، إذ فُسرت عدم استجابتهم كعمل عدائي أو تمرد، بينما هي في الحقيقة نتيجة قصور إدراكي كامل، ما يمثل انتهاكاً صارخاً للمبادئ المستقرة في القانون الدولي الإنساني تحديدا قتل شخص يعاني من إعاقة ذهنية، لا يدرك طبيعة الأوامر العسكرية أو خطر الميدان، وهو ما يصنف جريمة قتل عمد (Willful Killing)، تعمل المؤسسات الحقوقية على رصدها وتوثيقها وجمع بياناتها انتظارا إلى يوم حساب ربما يأتي.

أخبار ذات صلة.
كيف ينقذك مدير كلمات المرور من القرصنة؟
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة