عربي
شهدت أسواق النفط خلال الأسابيع الماضية موجة من الصفقات الضخمة المريبة التي سبقت تحولات سياسية حادة مرتبطة بالحرب في المنطقة، ما فتح باب التحقيقات الرسمية وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول احتمال استغلال المعلومات الحساسة داخل الأسواق المالية، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تسعير الطاقة عالمياً. وكانت إحدى أبرز هذه الصفقات ما كشفته منصة "كوبيسي" (The Kobeissi Letter) في تحليل نشرته أول أمس السبت، إذ رصدت تنفيذ صفقات بيع على المكشوف لعقود النفط بقيمة تقدر بنحو 800 مليون دولار عند الساعة 8:24 صباحاً بتوقيت نيويورك، وذلك قبل 21 دقيقة فقط من إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً أمام السفن التجارية.
صفقة غامضة
وبحسب تحليل "كوبيسي"، جرى تنفيذ صفقات البيع على المكشوف قبيل إعلان وزير الخارجية الإيراني إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما انعكس فوراً على السوق بهبوط حاد في أسعار النفط، وأسفر عن تحقيق أرباح تقدر بنحو 70 مليون دولار خلال أقل من ساعة لصالح متعاملين لم تكشف هويتهم. وكانت أسعار النفط قد تراجعت بحدّة نحو 9%، يوم الجمعة، إثر إعلان إيران فتح مضيق هرمز كاملاً أمام حركة السفن التجارية. وهبط سعر خام برنت بـ8.74% إلى 90 دولاراً للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط بنحو 10% إلى 84 دولاراً. ورغم أن واقعة البيع على المكشوف لا تمثل بحد ذاتها دليلاً قانونياً على وجود تلاعب، فإن دقة توقيتها أثارت شكوكاً واسعة في الأوساط المالية، ولا سيّما في ظل التزامن شبه الكامل بين تنفيذ الصفقات والحدث السياسي المؤثر، وهو ما دفع مراقبين إلى الدعوة لفرض تدقيق أكبر على التداولات المرتبطة بالأحداث الجيوسياسية.
لكن هذه الصفقة لم تكن الحالة الوحيدة. وتدرس هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية سلسلة من الصفقات في عقود النفط الآجلة نفذت قبيل تحولات كبيرة في سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الحرب في المنطقة، وفق تقرير نشرته وكالة رويترز بتاريخ 15 إبريل/نيسان الجاري. وقال رئيس الهيئة، مايكل سيليغ، في تصريحات معدة للإدلاء بها أمام الكونغرس، إن الوكالة ستلاحق أي مخالفين، لكنه لم يشر إلى تحقيق محدد، فيما رفض متحدث باسم الهيئة التعليق، وأضاف سيليغ: "أود أن أكون واضحاً تماماً: أي شخص ينخرط في الاحتيال أو التلاعب أو التداول بناء على معلومات داخلية في أي من أسواقنا، سنجده وسيواجه كامل قوة القانون".
تداولات مريبة
ويركز التحقيق، بحسب رويترز، على تداولات عقود النفط الآجلة على منصات تابعة لشركتَي سي إم إي (CME Group) وإنتركونتيننتال إكستشينج (ICE)، إذ يدرس المحققون حالتَين على الأقل لصفقات نفطية جرت في 23 مارس/آذار و7 إبريل/نيسان. وقد تكون هذه الصفقات، التي نفذت بتوقيت دقيق، قد حققت أرباحاً بملايين الدولارات، ما أثار قلق المشرعين والخبراء القانونيين من أن القرارات المتعلقة بالحرب والدبلوماسية قد تفتح الباب أمام استغلال في أسواق المشتقات التي تتسم بالتقلب والغموض.
وأشارت رويترز إلى أن مستثمرين راهنوا بنحو 950 مليون دولار على أسعار النفط قبل ساعات فقط من إعلان الولايات المتحدة وإيران وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، كما رصدت تداولات مماثلة في 23 مارس. وهو ما قد يكون قد أتاح تحقيق أرباح بملايين الدولارات. وتشمل البيانات التي طلبتها الجهات التنظيمية من منصات التداول ما يُعرف بمعرفات Tag 50، والتي تكشف هوية الجهات التي تقف وراء هذه الصفقات. وقال متحدث باسم مجموعة سي إم إي في بيان: "نقوم بمراقبة أسواقنا بصرامة ونعمل عن كثب مع هيئة تداول السلع الآجلة للإشراف على أنشطة التداول"، وأضاف أن أي مراجعة لسلوك السوق يجب أن تشمل جميع المنصات، بما في ذلك أسواق التنبؤ التي تدرج منتجات مرتبطة مع قدر محدود من الشفافية. في المقابل، امتنعت شركة إنتركونتيننتال إكستشينج عن التعليق.
تحذير رسمي
وكان البيت الأبيض قد حذر موظفيه من استغلال مناصبهم على نحوٍ غير قانوني للمضاربة في أسواق العقود الآجلة، في ظل استمرار الحرب مع إيران، كما قال مدير إنفاذ القوانين في الهيئة الشهر الماضي إن الوكالة على دراية بالتكهنات حول تداول داخلي في الأسواق الخاضعة لرقابتها، وإنها تراقب الوضع. من جانبها، دعت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن، وهي من أبرز المنتقدين للهيئة، إلى توسيع التحقيق في احتمالات التداول بناء على معلومات داخلية، معتبرة أن الأسواق المرتبطة بالحروب والقرارات السياسية أصبحت عرضة للاستغلال على نحوٍ غير مسبوق. ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق على تصريحات وارن.
ووفق تقرير نشرته رويترز في 10 إبريل الجاري، فإنّ الحرب أدت إلى اضطراب كبير في الإمدادات، مع توقعات بتحول السوق إلى عجز في المعروض يصل إلى نحو 750 ألف برميل يومياً خلال العام، ما زاد من حساسية الأسعار لأي خبر أو تصريح. كما ساهمت هذه البيئة في تضخيم دور المضاربات المالية، خاصة مع انتشار التداول الخوارزمي عالي السرعة، الذي يتيح تنفيذ صفقات ضخمة خلال ثوانٍ بناء على إشارات إخبارية أو توقعات سياسية. وفي ظل هذه الظروف، تصبح الأسواق أكثر عرضة للتحركات المفاجئة، إذ يمكن لقرار سياسي واحد أن يخلق موجة من الأرباح أو الخسائر بمئات الملايين خلال دقائق. في المقابل، يرى محللون أن جزءاً من هذه الصفقات قد يكون ناتجاً عن تحوط مشروع من مؤسسات مالية كبرى، تسعى إلى حماية مراكزها من تقلبات الأسعار، غير أن الحجم الكبير والتوقيت الدقيق لبعض العمليات يعزّزان فرضية وجود استغلال محتمل لمعلومات غير متاحة للجميع، وهو ما يتطلب تدقيقاً تنظيمياً أكبر.
