"الجنون الرقمي".. لماذا تتدهور صحتنا كلما انغمسنا افتراضياً؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يشرح الطبيب النفسي الأميركي نيكولاس كارداراس، كيف تحولت شبكة الإنترنت إلى عالم مواز يعيش فيه البشر، وكيف أنها تجعل البعض يكذبون ما تراه أعينهم على أرض الواقع لمجرد أن هناك في "الفضاء الرقمي" تأكيدات تخالف ذلك، ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي تقود البشر نحو أزمة صحة عقلية ونفسية متفاقمة. لا يكتفي كارداراس بتشريح المشكلة، إنما يطرح بصفته متخصصاً في علاج الإدمان الرقمي كيفية استعادة عقولنا التي تكاد مواقع التواصل تتحكّم فيها. وهو يبني على ما أورده في كتابه السابق "أبناء الشاشات المتوهجة" (2019)، والذي ركّز فيه على التوعية بمخاطر "إدمان الشاشات" على الأطفال، واشتهر منه مصطلح "الهيروين الرقمي". تدمير الطبيعة البشرية وبينما كرس كتاب "أبناء الشاشات" أن الهواتف والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل ليست وسائل ترفيه بريئة، بل بيئة قادرة على إعادة تشكيل العادات والعلاقات، والتأثير في الانتباه، وفي جودة النوم، وصولاً إلى ما يشبه الإدمان لدى الأطفال. يتناول كتاب "الجنون الرقمي: كيف تتسبب وسائط التواصل الاجتماعي في تدهور صحتنا العقلية وكيف نستعيد سلامتنا العقلية" (الطبعة العربية دار مكتبة جرير، 2023) المجتمع بأسره، محذراً من أزمة صحة نفسية وعقلية كبيرة ناتجة عن تزايد الانغماس الرقمي. ينطلق الكتاب من قول الفيلسوف الهندي كريشنامورتي (1895- 1986): "تكيُّفك مع مجتمع مريض ليس معياراً للصحة السليمة"، ويؤكد كارداراس أن الكسل والانعزال والتشتت وغياب الأهداف والانغماس الرقمي كلها أمور ضد طبيعة البشر البيولوجية. يكتب: "لا تزال احتياجاتنا النفسية والاجتماعية والعاطفية المتوارثة في إطارها القديم. نحن بحاجة إلى مجتمع بشري، وتواصل إنساني، ونشاط بدني، وهدف، وطبيعة، وأمل. كل ذلك تم تقليصه أو تدميره بواسطة التكنولوجيا". شركات احتكارية تغلّب مصلحتها على حساب صحتنا العقلية يروي كارداراس في الكتاب واقعة عاشها شخصياً في أواخر عام 2019، قبيل جائحة كورونا، حين كان يزور والده المهاجر اليوناني المصاب بمرض السرطان، يكتب: "لم يفهم والدي ذاك العالم الغارق في التكنولوجيا، ذلك العالم الذي لا ينظر فيه الناس إلى أعين بعضهم البعض، بل يظلون منكّسين رؤوسهم أمام الشاشات لساعات طوال، شاعرين بالضياع والفراغ. كره والدي هوسنا بالتكنولوجيا. كان بستانيّاً مُخلصاً طوال حياته، يحبّ طهي الطعام للجميع تعبيراً عن محبته، وكان يوبخني لأنني أستمر في تفقد هاتفي لمطالعة رسائل العمل أثناء زياراتي له. كان يقول لي توقف عن النظر إلى هذا الشيء الغبي واحضر معنا ما دمت قدمت إلينا". وهو يختم القصة بحكمة والده العجوز الذي عاش سنوات الحرب العالمية الثانية، وهاجر بحثاً عن الأمان، وشهد ظهور التلفزيون، ثم الإنترنت، والذي قال له: "أنا سعيد لأنني لن أعيش طويلاً في هذا العالم الجديد". هندسة الإدمان ينطلق كارداراس من قصة والده إلى السؤال المحوري لكتابه: لماذا تتدهور صحتنا العقلية كلما تقدّم مجتمعنا تكنولوجياً؟ ولماذا تزداد أمراضنا النفسية مع ازدياد انغماسنا الافتراضي؟ وفي هذا الإطار يرى أننا "قد تحوّلنا يقيناً إلى مجتمع مريض جداً. فقدنا أنفسنا أثناء إضاعة الوقت أمام الشاشة، لمشاهدة صور إنستغرام وفيديوهات القطط على يوتيوب. صرنا نموت بمعدلات قياسية". يتناول كارداراس تلك الأزمة النفسية بوصفها واقعاً، لا نظرية جدلية، ويستشهد بالأرقام الرسمية، إذ سجلت في الولايات المتحدة وحدها أكثر من مئتي ألف وفاة في عام 2019 بدوافع نفسية شملت الانتحار والجرعات المميتة من المخدرات وإدمان الكحول، ومعظمهم من الشباب، ثم جاءت جائحة كورونا لتضاعف هذه الأرقام حين تحوّل "التباعد الاجتماعي" إلى ضرورة صحية، ما فاقم الانغماس في الوسائل الرقمية للتواصل، والدراسة، والعمل، والترفيه. ويُفصّل الكتاب كيف تعمل مواقع التواصل الاجتماعي كآلات إدمان مُهندسة بدقة، مشيراً إلى أن المحور العصبي هو الدوبامين، تلك المادة الناقلة العصبية التي تُفرز في المخ، مُنتجةً الشعور بالمتعة. تستغل شركات التكنولوجيا الكبرى الدوبامين عبر توظيف مخططين من علماء السلوك مُهمّتهم الوحيدة تصميم عناصر تبقيك متصلاً بالتطبيق أو اللعبة أو الموقع الإلكتروني لأطول فترة ممكنة. يشخّص عوارض الانغماس الرقمي بالكسل وغياب الأهداف ويلفت إلى وثائق داخلية خاصة بمنصة فيسبوك عرضتها عالمة البيانات الأميركية فرانسيس هوغن أمام مجلس الشيوخ، أكدت أن شركة ميتا علمت يقيناً بأن خوارزمياتها تُضر بصحة المراهقين، وقد تزيد من معدلات الانتحار وكراهية الذات لدى المراهقات، لكنها قررت الإبقاء على تلك الخوارزميات المُضرة لأنها تزيد المشاركات، وتحقق أرباحاً. استقطاب وثنائيات حادّة حين صدر الكتاب في عام 2022، لم يكن الذكاء الاصطناعي التوليدي وروبوتات الدردشة قد دخلت حياتنا اليومية بهذا الشكل المتشعّب. ما يجعلنا اليوم أمام جنون رقمي مضاعف. يمكنك تخيل كيف تؤثر بالشخص تجربة الحضور العاطفي المُصطنع مع روبوت محادثة، وتأثيرها الكبير على إفراز الدوبامين. وينتقد الكتاب فكرة "التفكير الثنائي"، وهو نمط إدراكي يحول كل التفاعلات إلى ثنائيات حادة، إما حبّ أو كراهية، إما جيد مطلق أو شرير مطلق، إذ باتت الخوارزميات تدفع المزيد من المتفاعلين إلى أن يكونوا أقل مرونة وتفاعلاً، وأكثر عرضة للهشاشة والاندفاع. ويرى كارداراس أننا "نعيش جميعاً في عالم فقد عقله، يدفعه نحو الجنون سباق رقمي يخوضه أشخاص مُستنزَفون، مستيقظون دائماً، ومحبوسون في غرفهم، ويعانون أحمالاً زائدة على الطاقة العصبية، ويشعرون بالوحدة المستمرة". وهو يُطلق على شركات التكنولوجيا الكبرى وصف "التكنوقراطية الجديدة"، معتبراً أنهم "بارونات العصر الحديث الذين يُحرّكهم الطمع والغطرسة". ويخصص الكتاب جزءاً مهماً لظاهرة "المؤثرين" على وسائل التواصل الاجتماعي، مُحللاً كيف تحوّلت الشهرة من أمر ينشأ عن موهبة حقيقية إلى سلعة تصنعها الخوارزميات. ويطرح كارداراس مفهوماً جديداً يُسمّيه "العدوى الاجتماعية الرقمية"، مفاده أن الاضطرابات النفسية يمكن أن تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي كما الأمراض المعدية، ويستدل على ذلك باضطراب انتشر خلال وباء كورونا، حين راحت آلاف المراهقات يُظهرن أعراض حركات لا-إرادية بعد مشاهدة مقاطع على "تيك توك"، ما بدا في بادئ الأمر إفراطاً في التعاطف أو تمثيلاً، قبل أن يتبين للأطباء أنه اضطراب وظيفي عصبي نشأ عن عدوى رقمية. ويُخصّص الكتاب فصلاً للتفاعل بين انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتفشي السمات النرجسية في المجتمع، ويقول إن منصات مثل إنستغرام وسناب شات مبنية على تصوير الذات وتصميمها وتسويقها، ليصبح المستخدم مُنتِجاً ومُستهلِكاً في آنٍ لسردية ذاتية مُثلى تخالف الحياة الفعلية. والمشكلة ليست في زيف الصورة المُقدَّمة فقط، بل فيما تولّده من توقعات، وقلق، وإحساس مستمر بالنقص حين تُقارن حياتك الفوضوية بالصور المُعدَّلة التي يبثّها الآخرون. في الثلث الأخير يتحوّل الكتاب إلى بحث في مخرج من الأزمة، إذ يرى كارداراس أن ما نفتقده في العصر الرقمي هو ما تحدثت عنه الفلسفة الإغريقية منذ آلاف السنين، حيث الغاية، والمعنى، والفضيلة ممارسة، لا مجرد قناعة، وهو يستدعي فكر أرسطو الذي عرف السعادة الحقيقية بأنها ممارسة التميّز الإنساني، وليس الرضا الآني الذي تصنعه المنصات. ويقول: "علينا أن نكون ممتنين للأدوات كأدوات، لا أن نكون عبيداً لها. ناموا وأيقنوا أن الوقت الذي تبقّى لكم لا يُقاس بما ستنجزونه في الإنترنت". ويؤكد كارداراس أن البشر بنوا على مدى آلاف السنين، تقاليد فكرية وروحية متينة لمواجهة اضطراب الوجود وضياع المعنى، بينما الحضارة الرقمية تتيح تجاهل هذا التراث الإنساني المتراكم، واستبداله برسائل قصيرة، أو غرف إلكترونية لا يتوقف فيها صدى الصوت من دون تفاعل حقيقي. لا يخلو الكتاب أيضاً من انتقادات، فهو يتجاهل أن الواقع أكثر تعقيداً من طرحه الأكاديمي، وواقع أن شركات التكنولوجيا ليست جيّدة بالمطلق، لكنها أيضاً ليست شريرة بالمطلق، كما يغيب عن الكتاب نقاش دور أنظمة التعليم، والتدخلات الحكومية والمجتمعية، وكأنّ المنصات الرقمية هي المدان الوحيد، بينما نماذج العمل الرأسمالية، وغياب التشريعات، أو قصورها، وضعف الوعي القانوني، كلها أمور تستدعي استجابات جماعية لا فردية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية