الجزائر تحرر المناجم... رهان على المعادن لكسر هيمنة النفط
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تسرّع الجزائر خطواتها لإعادة تشكيل نموذجها الاقتصادي بعيداً عن الريع النفطي، عبر دفع غير مسبوق نحو قطاع المناجم، مدفوعاً باستثمارات ضخمة ومشاريع استراتيجية تستهدف تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للصناعات التعدينية، في محاولة لرفع الناتج الداخلي الخام إلى نحو 400 مليار دولار، وفقاً لتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون. وفي التاسع من إبريل/نيسان الجاري، قرر الرئيس تبون فصل قطاع المناجم عن وزارة المحروقات واستحداث وزارة مستقلة خاصة بقطاع المناجم. وعين مراد حنيفي وزيراً للمناجم، بعدما كان يشغل منصب مدير الوكالة الحكومية للمناجم، في إشارة واضحة إلى إعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الوطني. وينظر إلى هذا القرار باعتباره نقطة انطلاق نحو تحرير النشاط المنجمي من القيود البيروقراطية وتعزيز جاذبيته للاستثمارات المحلية والأجنبية بعد عقود من الإهمال. وتؤكد الخطة الحكومية التي قُدمت إلى البرلمان منذ عام 2023 أنّ "التطوير الاستراتيجي لقطاع المناجم يمثل أولوية لتلبية الطلب الوطني على المدى البعيد، وتنويع الاقتصاد الوطني، واستحداث مناصب العمل والثروة، ولا سيما في المناطق النائية، ووضع المواد المعدنية تحت تصرف القطاعات الاقتصادية، وتمويل الاقتصاد الوطني بإيرادات لصالح الدولة، وكذا التثمين الصناعي للموارد المنجمية". وقد وضعت الحكومة هدف الوصول إلى تحويل أكثر من 50% من المواد الخام وتصديرها مصنعة. 3 مشاريع كبرى ركزت الحكومة في المرحلة الأولى على ثلاثة مشاريع منجمية كبرى، أريد لها أن تكون قاطرة للصناعات المنجمية في البلاد. ففي بداية شهر فبراير/شباط الماضي، بدأت الجزائر الاستغلال الفعلي لمنجم الحديد غار جبيلات، الذي يعد أحد أكبر المناجم في العالم، إذ تقدر احتياطاته بثلاثة مليارات طن، وذلك بعد أربعة عقود من التعطل، بتكلفة استثمار تقارب 15 مليار دولار. ومن المتوقع أن ينتج ما بين مليونين وأربعة ملايين طن من خام الحديد، بينما تتوقع الحكومة خلال المرحلة الثالثة للإنتاج بلوغ 50 مليون طن سنوياً، وهو ما يمكن أن يُقحم الجزائر في سوق صناعة الحديد العالمية، بخاصة مع دعم هذا المنجم بمصنع لشركة توسيالي التركية لمعالجة خام الحديد في منطقة بشار جنوب غربي البلاد، فضلاً عن خط سكة حديد يربط المنجم بموانئ غرب الجزائر، ما يسهل ويقلل كلفة نقل الخام والإنتاج. وتعزز هذا التوجه في البدء، في مارس/آذار الماضي، من خلال استغلال منجم الزنك والرصاص في بجاية شرقي الجزائر، والذي يعد من بين أكبر احتياطات الزنك والرصاص في العالم، إذ يحتل المرتبة 12 عالمياً من حيث حجم الاحتياطي.  وتقدر الاحتياطات الجيولوجية للمنجم بحوالى 53 مليون طن، منها 34 مليون طن قابلة للاستغلال، بينما تصل طاقته الإنتاجية السنوية إلى مليوني طن من الخام، ينتج عنها بعد المعالجة نحو 200 ألف طن سنوياً من المركزات، منها 170 ألف طن من الزنك المركز و30 ألف طن من الرصاص. ويجرى استغلال هذا المشروع بشراكة بين الشركة الجزائرية للبحث والاستغلال المنجمي "سوناريم" وشركة أسترالية توفر تكنولوجيات حديثة لاستخراج الخام من باطن الأرض، باستثمار بلغت قيمته 471 مليون دولار، ما سيسمح للجزائر بالولوج إلى السوق العالمية للزنك، ذي الطلب المرتفع والقيمة العالية. ويؤكد الخبير المتخصص في قطاع المناجم عمران العطوي، لـ"العربي الجديد"، أن "هذا المنجم بالغ الأهمية من حيث الاحتياطات والطاقة الإنتاجية، باحتياطات جيولوجية هائلة تجعله في مصاف كبرى المناجم عالمياً، حيث يصنف في المرتبة الخامسة بوصفه أكبر منجم لرواسب الزنك في العالم". ويضيف أن "الجزائر تراهن بشكل كبير على قطاع المناجم لتعزيز قدراتها الاقتصادية، واستغلال مقدرات محلية وثروات هائلة لم تتح لها ظروف سابقة استغلالها، مثل الحديد والفوسفات والزنك والرصاص". ويشير إلى أن استغلال المناجم سيسمح بتشكيل قاعدة لتطوير مناطق اقتصادية مصغرة، تساهم في تطوير البنى التحتية وتكوين أجيال جديدة من الشباب الجزائري في مختلف المهن المرتبطة بصناعة المناجم، وتوفير آلاف فرص العمل، فضلاً عن تلبية الحاجيات الداخلية التي كانت تُستورد، ومنح الجزائر مكانة في السوق الدولية لهذه المواد والمعادن. منجم الفوسفات في الوقت الحالي، توجه الحكومة الجزائرية اهتمامها للبدء باستغلال مشروع منجمي آخر يتعلق بمنجم كبير للفوسفات يقع في منطقة بلاد الحدبة وجبل العنق بولاية تبسة شرقي الجزائر، قرب الحدود مع تونس. ويشمل المشروع منجم الفوسفات، وتخصيب الفوسفات، والتحويل الكيميائي لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، مثل حمض الفوسفوريك وحمض الكبريتيك والأمونياك. ويهدف المشروع إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الأسمدة الزراعية والتوجه نحو التصدير، والمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وبناء صناعة تحويلية وتوفير آلاف مناصب الشغل، إذ تسعى الجزائر إلى مضاعفة قدراتها الإنتاجية خمس مرات في مجال الفوسفات، من 1.5 مليون طن إلى عشرة ملايين طن. وستُنقل الشحنات عبر السكك الحديدية إلى مدينة عنابة القريبة، فيما تبلغ قيمة الاستثمار في هذا المشروع نحو ثلاثة مليارات دولار، ويتوقع أن يسهم في إنتاج 5.4 ملايين طن من الأسمدة سنوياً بمختلف أنواعها، توجه للاستهلاك المحلي، خاصة في الزراعة، على أن يتم تسويق الفائض إلى الخارج في مرحلة لاحقة. وكانت الحكومة قد قامت، قبل ذلك، بتحيين قانون المناجم الذي صدر في يوليو/تموز الماضي، والذي تضمن تحريراً جزئياً للاستثمارات في قطاع المناجم، بهدف تشجيع الاستثمار المنجمي وتبسيط إجراءات الاستثمار الأجنبي وجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيات. وسمح القانون للأجانب بامتلاك ما يصل إلى 80% من الأسهم في الاستثمارات المنجمية، رغم المخاوف التي أبدتها بعض الأحزاب السياسية مما وصفته بالتفريط في تأميم المناجم وفتح المجال أمام ما اعتبرته افتراساً أجنبياً للثروة المنجمية الجزائرية. وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الجزائر تسعى لبناء نموذج اقتصادي مزدوج، يعتمد على استغلال الموارد الطبيعية مع رفع القيمة المضافة عبر التصنيع المحلي. إلا أن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى، وفق خبراء، مرهوناً بعوامل عدة، أبرزها كفاءة الإدارة، واستقرار البيئة الاستثمارية، وقدرة البنية التحتية على مواكبة التوسع الصناعي. وفي حال تحقق الأهداف المعلنة، قد يتحول قطاع المناجم إلى ثاني أكبر محرك للاقتصاد الجزائري بعد الطاقة، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للبلاد خلال العقد المقبل. فضلاً عن تحول الجزائر، في حال نجاح هذه الاستراتيجية، إلى لاعب رئيسي في سوق الحديد والأسمدة، مستفيدة من احتياطاتها الضخمة ومشاريعها الصناعية المتكاملة، كما يمكن أن تبرز مركزاً صناعياً إقليمياً قائماً على استغلال الموارد الطبيعية ورفع قيمتها المضافة عبر التصنيع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية