عربي
يُحَوّل المخرج الجزائري مالك بن إسماعيل، في روائيّه الأول "العربي" (2026)، ما يقترحه الكاتب كمال داود في روايته (باللغة الفرنسية) "ميرسو.. تحقيق مضاد" (الطبعة الأولى، 2013) ـ إلى استعادة شخصية العربي، القتيل مجهول الاسم في رواية ألبير كامو "الغريب" (1942) ـ إلى نصّ سينمائي يجسّد فيه شخصية العربي شاباً جزائرياً من لحم ودم، يعيش في بلده، له اسم وهوية. لذا، يغدو فعل قتله وتهميش شخصيته سؤالاً مركزياً في الهوية، ومحاولة محوها.
ولأنّ نصّ كامو بات فيلماً بالعنوان نفسه (1967)، بفضل الإيطالي لوتشينو فيسكونتي، باستناد نصه إليها، تُلحّ المقاربة السينمائية لبن إسماعيل لشخصية العربي على معاينتها بين النصين. ففيسكونتي يُكرّس مُنجزه لفهم الشخصية الوجودية لأرثر ميرسو، باحثاً في سلوكه العبثي. قتلُه الشاب العربي يمهّد له درامياً بتفاصيل حياة يومية يعيشها بطله الفرنسي ميرسو (أداء بارع لمارسيلو ماستروياني)، في وهران الجزائرية، في أربعينيات القرن الـ20، إبّان فترة الاحتلال الفرنسي. قتل ميرسو للعربي ليس السؤال الجوهري عنده، بل معاينة الدوافع العبثية لبطله. هذا يقارب السؤال الفلسفي نفسه لكامو الفلسفي. لكن الكتابة السينمائية تختلف عنها، في نقطة النهاية: مشهد دخول الراهب على ميرسو بزنزانته، هو المحكوم عليه بالإعدام قبل حكم الاستئناف، ورفض السجين موعظته الدينية. يريد فيسكونتي إعادة الاعتبار المعنوي للضحية بالحكم على الجاني بالموت، ليتساوى معه في المصير. بن إسماعيل يذهب أبعد من ذلك.
يريد تحليل مفهوم العنف، المقرون بفعل القتل، وعلاقة المُستَعمِر بالمُستَعمَر، وما ينتج منها من ردود أفعال تفضي غالباً إلى عنف يستشري ويثبت. ينطلق "العربي" زمنياً ومكانياً من وهران، منتصف التسعينيات الماضية، مع صعود التيارات الإسلامية المتطرّفة، واتخاذها العنف الهمجي نهجاً لحركتها السياسية. في معمعة العشرية السوداء، وأجوائها المشحونة بالخوف والترقّب، يعيش الصحفي كمال (نبيل عسلي)، الذي يكتب مقالته بشجاعة تلفت انتباه الرجل العجوز هارون (أحمد بن عيسى، المنتهي من التصوير قبل رحيله عام 2022)، وتدفعه إلى التفكير في محاولة اقناعه بكتابة قصة أخيه موسى، أو العربي كما في "الغريب".
في حانات المدينة، في الجو المشحون بالتوتر والخوف، يتقابلان. يُلحّ العجوز، كل مرة، على تكرار قصة أخيه، مدّعياً أن كامو سرقها من دون ذكر حقيقة وجوده الفعلي. بحكم احترافه، لم يقتنع كمال بالقصة بادئ الأمر، لكنه، مع التقرّب منه أكثر واستماعه إلى تفاصيل الحكاية، يبدأ بالاقتناع بها.
بمخيال سينمائي منفتح على قراءة التاريخ ودراسته، يشرع بن إسماعيل بتجسيد حكاية هارون وأخيه موسى، بأنساق سرد متعدّدة المستويات، موزّعة على أزمان مختلفة. بالأسود والأبيض، وبقياس عرض شاشة 4:3، تنقل حكاية "العربي" لا بوصفها حكاية أخ قُتل من دون التفات أحد إليه، بل حياة عائلته الفقيرة، وأخيه هارون، الذي كان حينها صبياً صغيراً، يعيش معه ومع والدته (هيام عباس) في بيت واحد؛ وقصة بلد، توزّع تكوينه بين كراهية المحتل ومحاولة استرداد هويته العربية، بكل ما تحمل من نوازع انتقام، تجد تعبيراتها الأسطع في المراحل الأولى التي أعقبت سنوات الاستقلال. تُجلي قصة هارون علاقة أخيه موسى (إبراهيم إدريس)، العامل البسيط، بشابة جزائرية، تثير في نفسه الغَيرة حين يراقبها وهي تستلطف رجلاً فرنسياً. لم يخطر ببال أحد أن محاولة إبعاده عنها ستدفع الفرنسي ميرسو إلى قتله بدم بارد، ورمي جثته في البحر، حتى لا يترك لوجوده أثراً. حزن الأم عليه يتراكم طبقات من الحقد فيها على القاتل والمحتل.
في شبابه، يدفع الفقر هارون إلى العمل في مزرعةِ فرنسيٍّ يراعيه ويهتم به، وأيضاً تعمل والدته في منزله الكبير. في المرحلة التي تسبق التحرير، لا تترك الأم خبراً يفوتها عن كل ما يتعلق بموت ابنها. في "العربي"، يكاد ذكر المحكمة يختفي من الحكاية المروية بلسان الأخ الأصغر، الذي صار عجوزاً لا يهمه من الحياة سوى نقل قصة أخيه إلى العالم، والتخلّص من الكامن في نفسه من تأنيب ضمير على المشاركة في فعل قتل، أجبرته والدته عليه يوم خطّطت لقتل فرنسي، أقنعت نفسها بأنه الشخص نفسه الذي قتل ولدها، ونُشرت صورته في صحيفة لا تزال تحتفظ بها. فعل الانتقام والندم عليه لم يفارقا دواخله، وبهما يعلل جانباً من العنف الظاهر في العُشرية السوداء.
قراءة بن إسماعيل لـ"العربي" تغطي مراحل واسعة من تاريخ الجزائر، تتطلّب لملمتها وإيجازها في نص سينمائي (السيناريو له كما الإخراج) مقدرة على الإمساك بخيوطها، من دون أن تنفلت وتضيع. يوفق المخرج، القادم من الوثائقي إلى الروائي، في مقاربة الحدث التاريخي بالحاضر القريب، كما في وثائقيّه "معركة الجزائر.. فيلم في التاريخ" (2017)، الذي يوثق جانباً يكاد يكون مجهولاً للدور الذي لعبه القائد السياسي الجزائري ياسف سعدي في إنجاز مشروع "معركة الجزائر" (1966) لجيلو بونتيكورفو. في "العربي"، يستعيد حكاية هوية الجزائري المُغَيَّب، في مُنجز مهمّ يجاور التاريخ بالمخيال الروائي والسينمائي.
