عربي
لم يعد التباين بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني مجرد اختلاف في الأسلوب السياسي داخل معسكر اليمين المحافظ العابر للأطلسي، بل بات يعكس تحوّلاً أعمق في بنية هذا المعسكر، وتآكل فكرة "التحالف الأيديولوجي" بين اليمين الأوروبي ونظيره الأميركي، حتى مع استمرار القواسم المشتركة حول الهجرة والسيادة والهوية، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على التيار اليميني في أوروبا.
التوتر الأوروبي مع ترامب
ظهرت مؤشرات التوتر مع عودة ترامب إلى خطاب أكثر حدّة تجاه الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، حيث اتهم دولاً أوروبية بعدم تحمّل حصتها من الأعباء الدفاعية، ولوّح مراراً بإعادة النظر في الالتزامات الأميركية، منتقداً القارة لأنها لم تتنازل له عن جزيرة غرينلاند الدنماركية. هذا الخطاب شمل بشكل غير مباشر قادة محافظين مثل ميلوني، التي وجدت نفسها في موقع دقيق بين تقاطعها الأيديولوجي مع ترامب والتزاماتها داخل الاتحاد الأوروبي و"ناتو". غير أن نقطة التحول الأبرز جاءت مع تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، إذ اتسع الخلاف داخل المعسكر الغربي حول شرعية التدخل ودور الحلفاء. وقد تعامل ترامب مع تردد بعض الدول الأوروبية، ومنها إيطاليا، بوصفه دليلاً على "عدم موثوقية الحلفاء"، ما دفعه إلى تبنّي خطاب أكثر حدة تجاه أوروبا، وربطه بكفاءة التحالف الأطلسي.
تعامل ترامب مع تردد بعض الدول الأوروبية، ومنها إيطاليا، بوصفه دليلاً على "عدم موثوقية الحلفاء"
هذا المناخ انعكس على ميلوني، التي وجدت نفسها بين مسارين متناقضين: الحفاظ على تقاربها الأيديولوجي مع ترامب، وتلبية حساسيات الداخل الإيطالي والأوروبي، خصوصاً مع تصاعد رفض الرأي العام لأي انخراط في حرب جديدة بالشرق الأوسط. ومع ضغط هذه المعادلة، بدأت بإظهار مسافة سياسية أوضح، وإن بحذر. بلغ التوتر ذروته مع هجوم ترامب على البابا لاوون الرابع عشر، ووصفه بأنه "ضعيف" و"مريع"، إلى جانب نشر محتوى بصري يصور نفسه فيها شخصية تشبه المسيح، ما أثار الجدل واعتبره البعض مسيئاً دينياً قبل أن يُزيله لاحقاً ويدعي أن الصورة تقدمه طبيباً. هذا التطور وضع ميلوني في مأزق داخلي، لاعتمادها على قاعدة كاثوليكية واسعة، ما دفعها إلى إصدار أول إدانة مباشرة لترامب منذ عودته، معتبرة تصريحاته "غير مقبولة". وردّ ترامب بانتقادات علنية، انتقل فيها من وصفها بـ"الصديقة والزعيمة الممتازة" إلى التشكيك في مواقفها واعتبارها "غير شجاعة بما يكفي"، ما عكس انتقال العلاقة إلى توتر علني.
في الخلفية، أدت الحرب في إيران دوراً مُسرّعاً للخلاف، إذ زادت الانقسام داخل المعسكر الغربي حول حدود الدعم العسكري، خصوصاً في ما يتعلق بمضيق هرمز والتصعيد ضد طهران، ما عمّق فجوة الثقة. أمام هذا المشهد، تجد ميلوني نفسها في موقع معقد: فهي تمثل "اليمين المؤسسي الأوروبي" المرتبط بالاتحاد الأوروبي و"ناتو"، بينما يمثل ترامب "القومية الأميركية" التي تعيد تعريف التحالفات بمنطق المنفعة المباشرة. في هذا الإطار، تتحول العلاقة تدريجياً من تقاطع أيديولوجي إلى "تقاطعات مشروطة"، حيث تتقدم المصالح والضغوط الداخلية على الانسجام الفكري، ما يضع اليمين الأوروبي أمام معضلة الحفاظ على التقارب مع ترامب أو التكيف مع قيود النظام الأوروبي.
لم يعد الخلاف بين ترامب وميلوني مجرد تباين شخصي، بل مؤشراً على إعادة تشكيل أوسع لليمين الغربي، إذ لم تعد الأيديولوجيا كافية لضمان تماسك عابر للأطلسي، بل باتت العلاقات محكومة بتوازنات هشة ومصالح متقلبة. تصدّع هذه العلاقة يضرب سردية "الوحدة الأيديولوجية" التي روّج لها اليمين الأوروبي، ويكشف حدود فكرة وجود محور محافظ متماسك تقوده واشنطن. وحين يتحول ترامب إلى مصدر ضغط حتى على أقرب حلفائه، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وتضعف قدرة هذا التيار على إقناع ناخبيه. في المقابل، يجد اليمين الأوروبي نفسه أمام معضلة مزدوجة: الاستفادة من رمزية ترامب دون تحمّل كلفة الارتباط به، خصوصاً حين تتحول مواقفه إلى عبء على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي أو "ناتو"، أو حتى الفاتيكان. النتيجة خطاب أكثر ارتباكاً، يجمع بين دعم غير مباشر وابتعاد محسوب.
هناك قناعة داخل معسكر ترامب بأن الحلفاء الأوروبيين لم يعودوا رصيداً استراتيجياً ثابتاً
تراجع دور اليمين الأوروبي
كذلك يتراجع دور اليمين الأوروبي القومي جسراً سياسياً مع واشنطن، ليتحوّل التقارب مع ترامب إلى مخاطرة انتخابية داخلية، فيما يدفعه هذا التوتر إلى "أوربة" خطابه تدريجياً، أي التخفف من الطابع الترامبي لمصلحة نهج سيادي أقل تصادماً مع المؤسسات الأوروبية، تحديداً في ظل تراجع حلفاء ترامب داخل أوروبا، وخصوصاً بعد هزيمة أهمهم، فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية الأحد الماضي، الذي يقرأ نموذجاً لمصير محتمل للمرتبطين بمعسكر ترامب.
في المقابل، داخل معسكر ترامب نفسه، يعمّق هذا التصدع قناعة متزايدة بأن الحلفاء الأوروبيين لم يعودوا رصيداً استراتيجياً ثابتاً، بل شركاء ظرفيين تحكمهم حسابات متغيرة، ما يدفع نحو مقاربة أكثر انتقائية وبراغماتية في إدارة التحالفات. في المحصلة، لا يشير هذا التصدع إلى انهيار فوري للتحالف اليميني عبر الأطلسي، بقدر ما يكشف تحوّله من مشروع متماسك إلى شبكة علاقات هشة، تتقاطع عند المصالح وتتباعد عند الأزمات. وهنا تحديداً تكمن معضلة اليمين الأوروبي: كيف يحافظ على موقعه داخل "اللحظة الترامبية" دون أن يتحمّل كلفة تقلباتها، أو يدفع ثمن رهاناتها السياسية المتقلبة.
