عربي
لم تعد تداعيات الحرب على إيران محصورة في أسواق النفط، بل امتدت سريعاً إلى أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد العالمي: الزراعة. فمع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز قبل إعلان إيران إعادة فتحه اليوم الجمعة، تصاعدت أزمة موازية أشد وقعاً على الدول النامية، تتمثل في نقص الأسمدة وارتفاع أسعارها، بما يهدد الأمن الغذائي لملايين البشر. تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي تعطيل لحركته عاملاً مباشراً في تقليص الإمدادات ورفع التكاليف. وبالفعل، ارتفعت أسعار الأسمدة الكيميائية، وعلى رأسها اليوريا، بنحو 40% خلال الأشهر الأخيرة، فيما تراجع المعروض العالمي بنسب تراوح بين 15 و25% في بعض الأسواق، نتيجة اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.
في هذا السياق، نقل التلفزيون الدنماركي، اليوم الجمعة، عن مدير قسم في"Impact Fund Denmark"، توماس هوغارد، أن اضطراب الإمدادات أدى إلى ضغط غير مسبوق على الدول النامية، محذراً من أن "نقص الأسمدة وارتفاع أسعارها سيزيدان من هشاشة الفئات الأضعف ويرفعان خطر المجاعة". ويضيف أن معظم الدول النامية تفتقر إلى مخزونات استراتيجية من الأسمدة، ما يجعلها مكشوفة بالكامل أمام تقلبات السوق. ومع انطلاق الموسم الزراعي في أفريقيا وأجزاء من آسيا، يواجه المزارعون معضلة قاسية: ارتفاع تكاليف الإنتاج مقابل أسعار محاصيل لا ترتفع بالوتيرة نفسها، ما يدفع بعضهم إلى التساؤل عمّا إذا كان من المجدي الزراعة أصلاً.
ولا تقتصر الأزمة على جانب الطلب، بل تمتد إلى العرض أيضاً. فارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، المكوّن الأساسي للأسمدة النيتروجينية، أدى إلى تقليص الإنتاج في عدد من المصانع في آسيا وأوروبا. وتشير تقديرات إلى تراجع الإنتاج بنحو 20% في بعض الأسواق الناشئة خلال ذروة الأزمة، ما عمّق الفجوة بين العرض والطلب. كما أن طبيعة سوق الأسمدة تزيد من تعقيد المشهد. فعلى عكس النفط، لا توجد آليات دولية منسقة لتوزيع المخزونات أو امتصاص الصدمات، ما يترك الدول النامية مكشوفة أمام تقلبات السوق. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، يتوقع خبراء أن تستغرق عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية ما بين أربعة وستة أسابيع على الأقل حتى في حال إعادة فتح المضيق، وبأن آثار الأزمة ستستمر في الظهور تدريجياً خلال الأشهر المقبلة ، ما يعني أن الأسوأ لم يظهر بعد.
في الدول منخفضة الدخل، حيث يعتمد ملايين المزارعين على الأسمدة المستوردة، يتحول هذا الارتفاع إلى أزمة معيشية مباشرة. ويهدد انخفاض استخدام الأسمدة بتراجع الإنتاج الزراعي، خصوصاً لمحاصيل أساسية مثل القمح والذرة والأرز ومحاصيل الكسافا الدرنية. وتشير تقديرات أولية إلى أن الإنتاجية الزراعية قد تنخفض بنسبة تراوح بين 10 و20% في بعض هذه الدول، ما سينعكس سريعاً على أسعار الغذاء وتوافره، ويدفع بملايين إضافيين نحو دائرة انعدام الأمن الغذائي.
القلق لا يقتصر على الخبراء، إذ تحذّر منظمات دولية من أن استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة سيقود إلى موجة جديدة من تضخم الغذاء، تطاول بالدرجة الأولى الدول منخفضة الدخل، في ظل تداخل الأزمة مع تحديات قائمة مثل تغيّر المناخ والنزاعات المسلحة. وفي أبعادها الأعمق، تتجاوز أزمة الأسمدة حدود الاقتصاد لتلامس الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بعدما أظهرت تجارب سابقة أن ارتفاع أسعار الغذاء ونقصه كانا من أبرز محركات الاضطرابات في دول الجنوب، حيث يشكّل الغذاء الحصة الأكبر من إنفاق الأسر.
ومع تصاعد الضغوط المعيشية وتراجع الإنتاج، تتزايد احتمالات اندلاع احتجاجات واضطرابات في الدول ذات الهشاشة الاقتصادية والمؤسساتية، ما يعيد إلى الواجهة سيناريوهات "انتفاضات الخبز". وتتركز التداعيات الأشد في دول الجنوب العالمي المعتمدة على الاستيراد، وفي مقدمتها دول أفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى مناطق الأزمات المزمنة في القرن الأفريقي، حيث يرتفع خطر المجاعة مع أي صدمة إضافية في الإمدادات.
وفي جنوب آسيا، تواجه دول كثيفة السكان مثل الهند وباكستان وبنغلادش ضغوطاً متزايدة على الأمن الغذائي، فيما تمتد التأثيرات إلى جنوب شرق آسيا، وكذلك إلى دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل مصر والمغرب. وتكشف خريطة التأثر أن الأزمة تضرب أساساً الدول الهشة والمعتمدة على الخارج، حيث يمكن لأي خلل في الإمدادات أن يتحول سريعاً من أزمة زراعية إلى تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي. ولا تقف آثار الأزمة عند حدود الدول النامية، بل تمتد إلى دول الشمال العالمي عبر قنوات متعددة. فعدم الاستقرار في الجنوب قد يترجم إلى موجات هجرة جديدة، ويزيد الضغوط على الحدود الأوروبية، كما ينعكس على الأسواق العالمية عبر تقلبات الأسعار وتعطّل سلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، قد تجد الدول الغربية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: احتواء تداعيات التضخم الغذائي داخلياً، والتعامل مع أزمات إنسانية وسياسية متفاقمة خارجياً.
