عربي
أيّ وقف نار في المنطقة هذه الأيام يلقى الترحيب في واشنطن عموماً، من باب اعتباره إشارة إيجابية تبشّر بقرب وقف الحرب ضد إيران المكروهة تداعياتها من غالبية الأميركيين والكونغرس. وعزّز الارتياح أن وقف النار مع إيران لمدة أسبوعين ما زال سارياً، مع ترجيح تمديده على أساس أن احتمالات الوساطة الباكستانية مشجعة وربما واعدة. لكن الفجوة ما زالت واسعة بين واشنطن وطهران، ولو أنها "ليست مستعصية". لتليين الموقف الإيراني كان المطلوب إضعاف بعض أوراق قوته، ومنها ورقة الأذرع، وبالتحديد ذراع حزب الله.
ترتيب وقف النار بين لبنان وإسرائيل، والذي تم إعلانه والبدء بتنفيذه عند الخامسة من بعد ظهر الخميس بتوقيت واشنطن (منتصف ليل الخميس الجمعة في المنطقة)، يندرج في هذا السياق. النقطة هنا أن وضع الطرفين على سكة المفاوضات المباشرة هو ترجمة لتفكيك ربط جنوب لبنان بطهران، وبالتالي حرمان هذه الأخيرة من ثقل تستقوي به في مفاوضاتها الجارية مع واشنطن المستعجلة على طي صفحة هذه الحرب. والتوقيت لا يبدو أنه كان صدفة. ففيما كان رئيس الأركان الباكستاني يواصل وساطته في طهران، محاولاً التغلب على الشروط الإيرانية وتعقيداتها، جرى تنظيم لقاء السفيرين اللبناني والإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية قبل يومين برعاية الوزير ماركو روبيو، وبعد يوم أُعلن عن وقف النار لفترة عشرة أيام مفتوحة على التمديد، مع بيان صدر عن وزارة الخارجية حول إطار هذا الاتفاق. وكأنه كان رسالة موجهة إلى إيران بأن ورقة لبنان خرجت من يدها.
مصدر في وزارة الخارجية سارع إلى نفي هذا الاحتمال بقوله إن وقف النار بين لبنان وإسرائيل "ليس جزءاً من مفاوضات الإدارة مع إيران". النفي في هذا السياق يؤكد عكسه. لكن المشروع الذي جرى طبخه على عجل، مفخّخ وهشّ، ومفتاحه بيد إسرائيل التي ارتضت مضطرة، ولا تريد لأي وقف نار، سواء مع طهران أو مع لبنان، غير الانهيار. والأخير يوفر لها الفرصة للتخلص منه. صيغته الضبابية تعطيها الفرصة لتفجيره في اللحظة التي تناسبها، وخاصة أنها وافقت عليه من باب "حسن النية" التي لا تحكمها قواعد ملزمة.
ثم إنها تخصّها وحدها، من دون الطرف الثاني لبنان، بحق "الدفاع عن النفس" في أي وقت ترتأي ذلك، مع الوعد وليس الالتزام بأن لا تقوم "بعمليات هجومية ضد أهداف لبنانية مدنية أو عسكرية تابعة للدولة ضمن الأراضي والأجواء والمياه اللبنانية". ومثل هذا الشرط يبقى حبراً على ورق طالما أنه ورد بصورة غير ملزمة، وبما يتركه خاضعاً للمشيئة الإسرائيلية وتوقيتها.
وتبلغ الضبابية ذروتها عند الحديث عن الدور الأميركي، الذي يقتصر على "تيسير" وتسهيل عملية التنفيذ، كما جاء في البيان، من غير تحديد لهذا الدور، ولا المجيء على ذكر التدخل عند الاقتضاء لتفكيك العقبات أو المساعدة على تذليل الصعوبات. وهو نفسه الدور الأميركي السلبي المتفرج الذي مارسته واشنطن في سائر جولات المفاوضات التي أجرتها إسرائيل مع الجانب الفلسطيني في السابق، خاصة خلال مفاوضات اتفاقية أوسلو. كانت الذريعة أن واشنطن "لا تقوى على إجبار إسرائيل" على القبول بما لا تريد، وأن التوافق "لا بدّ أن يحصل بالتفاوض بين الجانبين وحدهما". القاعدة الموروثة نفسها يجري اعتمادها الآن في وقف النار مع لبنان، للحفاظ على ترك المبادرة بيد إسرائيل.
والمعروف أن الرئيس ترامب تحدث مع نتنياهو "حول بعض النقاط والشروط" قبيل صدور بيان وقف النار. وبصمات هذا الأخير واضحة، خصوصاً التشديد على "حق الدفاع" لإسرائيل، وبما يجسّد انعدام التكافؤ، وبالتالي ترك هذا الترتيب تحت رحمة نتنياهو وحساباته، وهو الذي لا بد أنه يعرف بأن المسألة مرتبطة أولاً وأخيراً بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية.
