عربي
في لحظة جيوسياسية معقدة، يعيد الاتحاد الأوروبي فتح ملف التوسع، مدفوعاً باعتبارات أمنية تتجاوز الاقتصاد، في ظل الحرب في أوكرانيا، وتدهور العلاقات مع روسيا، واضطراب اقتصادي متصاعد، وشكوك حول متانة التحالف مع الولايات المتحدة. هذه العوامل تدفع بروكسل إلى توسيع دائرة الاستقرار، خصوصاً في غرب البلقان.
وفي هذا السياق، تبرز الجبل الأسود، الخارجة من تفكك يوغوسلافيا واستقلالها بعد استفتاء شعبي عام 2006، كأقرب المرشحين للانضمام، بعد موافقة الاتحاد الأوروبي الأربعاء الماضي على بدء صياغة معاهدة الانضمام، في خطوة تُعد الأولى منذ انضمام كرواتيا عام 2013. وتمثل هذه المعاهدة الإطار القانوني النهائي للعضوية، ما يعني دخول العملية مرحلتها الحاسمة بانتظار تصديق الدول الـ27 الأعضاء.
ومنذ خريف العام الماضي، دخلت المفوضية الأوروبية في خطوات وإجراءات تنفيذية لتسريع المسار، وفق تقارير موقع "غرب البلقان الأوروبي". وأعرب رئيس الوزراء ميلويكو سباييتش عن تفاؤله بالانضمام بحلول 2028، وهو تقدير تدعمه أورسولا فون ديرلاين التي وصفت التوسع بأنه "احتمال واقعي"، فيما اعتبر أنطونيو كوستا الخطوة "علامة فارقة"، كما أكدت الأربعاء الماضي على منصة إكس مفوضة توسيع الاتحاد أن ذلك يمثل اعترافاً بتقدم البلاد وحافزاً لتسريع الإصلاحات.
14 عاماً في "غرفة الانتظار"... توسع بدوافع أمنية
حصلت الجبل الأسود على صفة دولة مرشحة عام 2010، وبدأت مفاوضات الانضمام في 2012، ما يعني نحو 14 عاماً من الانتظار. ورغم صغر حجمها (نحو 600 ألف نسمة)، تُعد نموذجاً "قابلاً للإدارة" مقارنة بجيران أكثر تعقيداً مثل صربيا والبوسنة والهرسك. وساعدت التحولات السياسية بعد 2020 في تعزيز فرصها مع صعود قيادة مؤيدة لأوروبا مثل الرئيس ياكوف ميلاتوفيتش، إلى جانب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي "ناتو" عام 2017 واعتماد اليورو عملياً منذ 2002، ما عمّق اندماجها الغربي.
ولم يعد التوسع الأوروبي مجرد مشروع اقتصادي، بل أداة جيوسياسية لضمان الاستقرار ومواجهة تمدد النفوذ الروسي. وتشير تقارير المفوضية إلى أن دولاً مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك وجورجيا وكوسوفو ومولدوفا ومقدونيا الشمالية وصربيا وتركيا وأوكرانيا قد تدخل موجة توسع محتملة بعد 2028، رغم استمرار تحديات الإصلاح.
في المقابل، تواجه جورجيا انتقادات بسبب "تراجع ديمقراطي"، بينما تعاني صربيا من اتهامات بتقييد الإعلام والتقارب مع موسكو. ذلك ما أشارت إليه تقارير المفوضية الأوروبية (Progress Reports 2024) التي تحدثت صراحة عن "تراجع ديمقراطي خطير" وتجميد مسار الانضمام، وهو ما أشار إليه تقرير "مجموعة الأزمات" في 25 مارس/آذار الماضي، مع توتر العلاقة بين تبليسي وبروكسل. أما كوسوفو فلا يزال الاعتراف بها داخل الاتحاد غير محسوم من كل الدول الـ27.
وأشارت تقارير للبرلمان الأوروبي في 2024 إلى تراجع حالة الديمقراطية وحرية الإعلام في صربيا، والقلق من العلاقة بين بلغراد وموسكو ورفضها العقوبات على روسيا، إلى جانب تقارير إعلامية تحدثت عن اتهامات بتزوير الانتخابات، ما يخلق عقبات في وجه انضمام صربيا إلى المعسكر الأوروبي، بحسب تقرير واشنطن بوست في 31 مارس/آذار الماضي.
إلى ذلك، يثير ملف انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الأوروبية، بين من يراه ضرورة استراتيجية ومن يحذّر من مخاطره وتعقيداته، وفقاً لتقرير لصحيفة "لوموند" الجمعة الماضي. فمنذ حصول أوكرانيا على صفة دولة مرشحة في عام 2022، عقب الغزو الروسي، تحوّل مسار عضويتها إلى قضية ذات أبعاد أمنية بقدر ما هي سياسية واقتصادية. وتدعم دول في شرق وشمال أوروبا تسريع انضمامها باعتباره رسالة جيوسياسية لمواجهة روسيا وتعزيز استقرار القارة، فيما تبدي أخرى، مثل فرنسا وألمانيا، حذر أكبر، مع التأكيد ضرورة الالتزام الصارم بمعايير سيادة القانون ومكافحة الفساد واستقلال القضاء، في ظلّ مخاوف من أن يؤدي تسريع عملية الانضمام إلى إضعاف معايير التوسع، كما تبرز تحديات اقتصادية ثقيلة، إذ إنّ إدماج اقتصاد متضرر بحجم أوكرانيا سيشكل ضغطاً كبيراً على ميزانية الاتحاد وسياساته الزراعية وصناديق الدعم، ما يجعل الملف اختباراً مباشراً لقدرة الاتحاد على الموازنة بين الاعتبارات الجيوسياسية ومتطلبات العضوية المؤسسية.
تركيا... ربع قرن من التعثر
أما تركيا، فتجسد حالة تعثر طويلة الأمد؛ إذ بدأ مسارها مع الاتحاد باتفاق 1963، ثم طلب العضوية عام 1987، وحصولها على صفة مرشح في 1999، قبل انطلاق المفاوضات عام 2005، لكنها دخلت لاحقاً في حالة جمود شبه كامل. وبعد مرحلة إصلاحات مبكرة، تراجعت العملية بفعل انتقادات أوروبية تتعلق باستقلال القضاء وحرية الإعلام والتحول السياسي الداخلي، إلى جانب استمرار الخلاف بشأن قبرص والتوتر في شرق المتوسط.
وشهد العقد الأول من الألفية زخماً إصلاحياً في تركيا، خصوصاً في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن هذا المسار تراجع مع تصاعد الانتقادات الأوروبية بشأن استقلال القضاء وحرية الإعلام، إضافة إلى التحول نحو نظام رئاسي واسع الصلاحيات، كما بقي النزاع مع قبرص عائقاً رئيسياً، إلى جانب التوتر في شرق المتوسط. إلى ذلك، يبرز عامل غير معلن يتعلق بحجم تركيا وتأثيرها داخل مؤسسات الاتحاد، وهو ما انعكس في مواقف متحفظة من فرنسا وألمانيا والنمسا وهولندا، التي طرحت فكرة "الشراكة المميزة" بديلاً عن العضوية الكاملة.
وتحوّلت العلاقة تدريجياً إلى شراكة وظيفية تركز على ملفات الهجرة والطاقة والأمن، إذ تلعب تركيا دوراً محورياً في ضبط تدفقات اللاجئين، ما يمنحها وزناً عملياً رغم الجمود السياسي. في المقابل، تبنت أنقرة سياسة "تعدد المحاور"، فعززت علاقاتها مع روسيا وانفتحت على آسيا، بما في ذلك التعاون مع الصين، إلى جانب توسيع حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يعكس تراجع أفق الانضمام دون إنهائه رسمياً.
في المحصلة، يظل مسار التوسع الأوروبي محكوماً بمعايير كوبنهاغن المتعلقة بالديمقراطية وسيادة القانون والقدرة الاقتصادية، مع تفاوت واضح بين الدول المرشحة. وبينما يمنح تقدم الجبل الأسود زخماً لدول أصغر، تبقى ملفات أكثر تعقيداً مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك في وضع أصعب بفعل تحديات سياسية وإصلاحية عميقة. ويتجه الاتحاد الأوروبي إلى نهج انتقائي في التوسع، يقوم على تسريع دمج الدول القابلة للاندماج، مقابل إبقاء الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها تركيا، في مسار طويل أو معلّق، بما يعكس إعادة صياغة لدوره كمنظومة سياسية وأمنية بقدر ما هو مشروع اقتصادي يسعى لضبط الاستقرار في محيطه.

أخبار ذات صلة.
5 طرق فعالة لإيقاظ الجسم من خمول الشتاء
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق