إسرائيل تتمسّك باحتلال قرى جنوبية.. هل توظّف الهدنة لترسيخ تمركزها؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في لبنان، تبقى الأنظار متجهة إلى القرى التي لا تزال إسرائيل تحتلها في الجنوب، وتؤكد سيطرتها عليها حتى نزع سلاح حزب الله وإبعاد مصادر التهديد عن عمقها الداخلي، وذلك في إطار أهداف المنطقة العازلة التي تمنحها القدرة على السيطرة حتى نهر الليطاني، والتي سعت إلى إقامتها وخاضت لأجلها مواجهات مباشرة مع مقاتلي حزب الله، وعجزت نتيجتها عن السيطرة على مناطق عدّة ذات أهمية استراتيجية وأمنية وحسم معاركها فيها، أبرزها مدينة بنت جبيل. وتتمسّك إسرائيل بالبقاء في هذه المواقع، على غرار ما فعلت بعد وقف النار في نوفمبر 2024، علماً أن تمركزها كان يقتصر على 5 تلال، هي الحمامص والعويضة وجبل بلاط واللبونة والعزية، وتمكنت من تثبيته غداة الاتفاق، بينما وسّعت اليوم نقاط احتلالها على صعيد قرى في الحافة الأمامية، كما رقعة التدمير، حائزة كذلك ضوءاً أخضر بعدم المغادرة، ربطاً بمذكرة التفاهم مع لبنان التي صدرت عن الخارجية الأميركية، والتي لم تلزم إسرائيل بالانسحاب، كما منحتها الاحتفاظ بحقها باتخاذ جميع التدابير اللازمة لـ"الدفاع عن النفس في أي وقتٍ". وعقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف الليل، وجّه جيش الاحتلال رسالة عاجلة إلى سكان جنوب لبنان طلب منهم عدم الانتقال إلى جنوب نهر الليطاني "حرصاً على سلامتهم" وفق زعمه، وذلك في وقتٍ واصل رغم الهدنة قصفه بلدة الخيام، ونفذ عملية تفخيخ ونسف فيها، موسّعاً رقعة التدمير. في موازاة ذلك، سارع المواطنون إلى العودة إلى قراهم الجنوبية، رغم التهديدات والمخاطر القائمة، وذلك لتفقد ممتلكاتهم، لكنهم واجهوا صعوبات عدة في الوصول، خاصة بعد استهداف إسرائيل العدد الأكبر من الجسور التي تربط بيروت والجنوب، ومنهم من سلك طرقاً فرعية وعرة، وآخرون عبروا سيراً فوق الجسور المدمرة. وخاض حزب الله والاحتلال، منذ 2 مارس/آذار الماضي، تاريخ بدء العدوان الموسّع، اشتباكات مسلحة على مسافة صفر، في محاور عدة، كان أبرزها الناقورة – علما الشعب – الضهيرة (القطاع الغربي)، يارون – مارون الراس – عيترون – بنت جبيل (القطاع الأوسط) العديسة – كفركلا – مركبا – ميس الجبل والخيام (القطاع الشرقي)، علماً أن المواجهة الأهم كانت في الأيام الأخيرة، قبل وقف النار، هي مدينة بنت جبيل، التي سعى الاحتلال للسيطرة عليها، لحلّ عقدة أساسية في مخططه للمنطقة العازلة، لكنه عجز عن ذلك، في ظلّ عمليات التصدي التي قام بها حزب الله. وفي قراءة للواقع الميداني، يقول الباحث الأمني والعسكري العميد ناجي ملاعب، لـ"العربي الجديد"، إن "حزب الله اعتمد في هذه الحرب استراتيجية مغايرة عن سابقاتها، والتي كانت تتمثل بالدفاع عن القرى الأمامية، أي التمركز الدفاعي، بينما في هذه المعركة لم يتمسك بالجغرافية بقدر التمسك بمبدأ إحلال خسائر بالقوة المتوغلة واستنزاف القوات الإسرائيلية، وبالتالي تركها تتوغل إلى مسافات في الداخل، منذ البداية، كما حصل في الخيام والطيبة والقوزح وعيناتا وكفركلا وصولاً إلى الناقورة وشمع البياضة وغيرها"، مشيراً إلى أن "حزب الله اعتمد ذلك أيضاً في ظلّ فقدانه عناصر وقادته وتراجع إمكاناته، إلا أن إرادة الصمود ترجمت بالمعارك ونتائجها، فكان هناك كمائن متحركة ودفاع مرن وغارات على تجمعات إسرائيلية، فكانت خسائر الجيش الإسرائيلية بأكثر من 600 إصابة، في جيوشه "النظامية"، ما يعادل، خلال 40 يوماً، 15 إصابة يومياً". ويشير ملاعب إلى أنه "لم يتبقَّ شيء اليوم من قرى الحافة الأمامية. عملياً، لم يبقَ منزل لم يهدم، سواء بالتفخيخ والنسف أو بالجرافات التي أبادت معالم القرى"، مشيراً إلى أن "الإسرائيلي لم ينجح بالسيطرة على مدينة بنت جبيل، والقتال كان حول المدينة، علماً أنه حاول تطويقها من ثلاث جهات، لكن لم يتمكن من فرض سيطرته عليها، أما الناقورة فتمكن من الدخول إليها، فيما كان القتال في الخيام لا يزال دائراً قبل دخول وقف النار حيز التنفيذ، وبالتالي لا يمكن حسم الوضع الحالي". ويوضح ملاعب أن "إسرائيل عودتنا باستغلال وقف النار لتحسين تمركزها، وهذا ما فعلته في الحرب الماضية، فهي احتلت النقاط الخمس بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، ما يطرح اليوم أسئلة عدة حول ما إذا كانت ستقوم بتحصين قواها أثناء فترة الهدنة، وهل ستبقى بعد انتهاء هذه الفترة، خاصة أنه بالاستناد إلى التصريحات الإسرائيلية الرسمية، فإن إسرائيل ملتزمة فقط بوقف اعتداءاتها وغاراتها الجوية ولم يذكر موضوع الأراضي المحتلة، ما يدفع أيضاً إلى السؤال: "إلى متى سيقبل حزب الله بهذا الوضع؟". ويلفت إلى أن "قدرات حزب الله في الميدان ظهرت بأماكن عدّة، خاصة باستخدامه أسلحة وصواريخ ومسيّرات نوعية، منها "إف بي في"، ذات الألياف الصوتية، والتي يصعب كثيراً مشاهدتها، وكانت تستطيع الدخول إلى الميركافا، من الباب المفتوح فيها، والانفجار داخلها بخمسة كيلوغرامات. كذلك، كان تفجير أماكن تجمعات جيش الاحتلال، كما نجاح صواريخ الألماس، وهذه مهمة جداً ضد الآليات العسكرية لضربها من فوق، وغيرها من العمليات". وبحسب إعلام حزب الله، فإنه في محور عيترون – بنت جبيل، اعتمدت المقاومة فيه نموذج الدفاع النشط عبر الجمع بين الصد المباشر والمبادرة الهجومية، بالتوازي مع توظيف البعد الجوي من خلال استهداف الطائرات المسيّرة، مما عزز قدرتها على فرض المبادرة العملياتية. وفي محور الخيام، طُبّق نموذج "الدفاع العنيد" عبر قتال حضري استند إلى استغلال البيئة العمرانية لعزل القوات المتوغلة واستنزافها، ما حدّ من فعالية التفوق الناري وحوّل المعركة إلى حرب مدن مكلفة. وفي محور مركبا – حولا، طُبّق نموذج "الأرض المحرمة" عبر قصف استباقي واستنزاف مستمر منع تثبيت أي مواقع. أما في محور القوزح – دبل – بيت ليف، فبرز "الدفاع التدميري المتحرك" من خلال القتال القريب داخل الأحياء، ما حيّد فعالية المدرعات وأوقع خسائر كبيرة. أما في محور الطيبة – القنطرة، فقد برز تكتيك "مناطق القتل" من خلال تهيئة ممرات إجبارية للمدرعات وتنفيذ كمائن مركبة بالعبوات والصواريخ الموجهة، ما أدى إلى استنزاف القوة المدرعة وتحويلها من عنصر حسم إلى نقطة ضعف. وأعلن حزب الله اليوم أن "المقاومة خاضت معركة العصف المأكول على مدى خمسة وأربعين يوماً سطّرت خلالها ملاحم بطوليّة". وأشار إلى أنه "بين الثاني من مارس/آذار والسادس عشر من إبريل/نيسان 2026، أصدرت المقاومة الإسلاميّة 1828 بياناً أعلنت فيه تنفيذ 2184 عمليّة عسكريّة مختلفة تصدّت من خلالها لقوّات الاحتلال التابعة لجيش العدوّ الإسرائيليّ داخل الأراضي اللبنانيّة، واستهدفت مواقعه وثكناته وقواعده العسكريّة داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. كما استهدفت عمليات المقاومة بالمسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كلم، ردًّا على جرائم العدوّ بحقّ المدنيين وتدميره الوحشيّ للأبنية السكنيّة والبنى التحتيّة المدنيّة". وأضاف الحزب في بيانه "نفّذ مجاهدو المقاومة الإسلاميّة عمليّاتهم بمعدّل 49 عمليّة يوميّاً، ولم تتمكّن آلة القتل الإسرائيليّة برغم إطباقها الاستخباريّ وتوحّشها الناريّ من ثنيهم عن النهوض والاستمرار بواجبهم الوطنيّ والإنسانيّ والدينيّ في حماية وطنهم وشعبهم والدفاع عنهما". وشدد حزب الله على أن "يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية