من اتفاق 2024 إلى مذكرة التفاهم اللبنانية ـ الإسرائيلية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تتيح هدنة الأيام العشرة في لبنان التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء أمس الخميس ودخلت حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس ـ الجمعة، وفرض توقيتها على رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأبلغت بها بيروت، للبنانيين أن يلتقطوا أنفاسهم جزئياً مع توقف آلة القتل الإسرائيلية الوحشية بحقهم إلى حد بعيد وليس كلياً. كل ما عدا ذلك في لبنان يدعو للحذر. ظروف ولادة هذه الهدنة المؤقتة وما رافقها من تنازلات، تحديداً في ما يتعلق باللقاء المباشر الذي جمع سفيري لبنان ندى حمادة معوض وإسرائيل يحيئيل ليتر في واشنطن برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم الثلاثاء الماضي، وما تلا ذلك، يستدعي في السياسة الكثير من التيقظ. وإذا كان الرئيس اللبناني جوزاف عون تجاوز، بدعم سياسي داخلي تُرجم بشكل خاص بما نقل من مواقف رافضة من رئيس مجلس النواب نبيه بري والزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط (راعيا انتفاضة 6 فبراير/شباط 1984 ضد اتفاقية 17 مايو/أيار بين لبنان وإسرائيل)،  لمحاولة ترامب قبل ساعات من منح لبنان اتفاق وقف النار المؤقت فرض اتصال هاتفي بين عون ونتنياهو في هذه اللحظة الحساسة، فإن قدرة الرئيس اللبناني في الفترة اللاحقة على تخطي فخاخ أميركية ـ إسرائيلية إضافية، خصوصاً مع سعي ترامب للقاء مباشر يجمع الرئيس اللبناني ورئيس وزراء الاحتلال في البيت الأبيض، ليست أكيدة، مثلما أنها لن تكون مستحيلة تماماً، لكن قطع الطريق أمامها يحتاج من ساسة لبنان الكثير، بعيداً عن محاولة كل طرف تجيير وقف النار لنفسه أو لداعميه الخارجيين. انقسامات لبنان بعد الحرب أظهرت هذه الحرب حجم الانقسام السياسي في لبنان في كل ما يتعلق بالحرب وحدود التفاوض مع إسرائيل، خصوصاً بعدما فرض حزب الله مرة أخرى ما يريده في الميدان وانخرط في الحرب إلى جانب إيران، لتشنّ إسرائيل عدوانها الواسع الذي فرضت من خلاله، رغم المعارك الواسعة والتي استمرت حتى اللحظة الأخيرة قبل وقف النار منتصف ليل الخميس ـ الجمعة، توسيع ما تصفه بالمنطقة العازلة، وتمعن في تدمير القرى لجعلها غير قابلة للحياة، في الوقت الذي كانت تلعب فيه على وتر الفتنة الداخلية في لبنان ومحاولة إشعالها، لا سيما بعد مجازر الأربعاء الأسود (8 إبريل/نيسان الحالي) عندما شنّت أكثر من 100 غارة في 10 دقائق على مناطق لبنان، موقعة مئات الشهداء والضحايا والمفقودين الذين لا يزالون تحت الأنقاض حتى اللحظة. أظهرت هذه الحرب حجم الانقسام السياسي في لبنان في كل ما يتعلق بالحرب وحدود التفاوض مع إسرائيل وتركت تقديرات حزب الله الخاطئة للمعركة وتداعياتها، للمسؤولين اللبنانيين الذين يختلفون معه إلى أبعد حدود في موضوع السلاح وسبق أن حذروه من خطورة إقحام لبنان في الحرب، بل وحتى الحديث عن خديعة تعرض لها رئيس الجمهورية بعد إعطائه وعوداً تبين أنها غير صحيحة بشأن عدم الانخراط في الحرب، أن يبحثوا عن حلول لوقف إبادة الشعب اللبناني، لكن من موقع الضعيف الذي لا يمتلك ما يقدمه سوى إرضاء ترامب ودائرته، وهو في هذا الزمن لا يعني سوى منحه هدايا تتعلق بإسرائيل، ما تُرجم بمبادرة التفاوض التي أعلن عنها عون للمرة الأولى عقب اندلاع الحرب على لبنان وتضمنت بدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، والتي تجاهلتها الأخيرة طوال الفترة الماضية حتى صار لبنان الرسمي كمن يركض خلفها للموافقة. هل كان بإمكان لبنان الرسمي التفكير بمبادرات أخفض سقفاً والنجاة من فخ المفاوضات المباشرة؟ هذا السؤال ليس أشبه بلغز غير قابل للحل، بل الإجابة عنه للأسف تتطلب الإجابة عن أسباب الوصول إلى هذه اللحظة والدور الذي أداه حزب الله في الدفع نحو هذا الخيار، وحدود الثمن الذي كان على اللبنانيين أن يدفعوه بعدما جُرّوا إلى حرب كان ينتظرها الاحتلال بفارغ الصبر، من دون تقدير لموازين القوى العسكرية والسياسية والتحوّلات الدولية، كما تتطلب الإجابة عن أي لبنان رسمي يتم الحديث اليوم، وحدود التقاء/ابتعاد الأطراف حول مسألة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. تحديات الهدنة وتطبيق مذكرة التفاهم الحقيقة الوحيدة والثابتة اليوم، أن لبنان خرج جراء هذه الحرب أضعف مما كان عليه عقب اتفاق وقف النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. ويكفي التوقف عند نصّ مذكرة التفاهم اللبنانية ـ الإسرائيلية التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية مساء أمس الخميس عقب إعلان وقف النار في لبنان، وما تتضمنه من بنود تصب لصالح الاحتلال ومن تراجع عما كانت تتضمنه "الورقة الأميركية" التي وافقت عليها الحكومة اللبنانية عقب حرب 2024. لبنان خرج جراء هذه الحرب أضعف مما كان عليه عقب اتفاق وقف النار في نوفمبر 2024 إذا كانت مقولة "على شو ماضيين" (على ماذا تم التوقيع) التي ترددت مراراً عقب وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 وما كان يتعرض له لبنان من استباحة إسرائيلية في ظل تأويلات متباينة للاتفاق يومها بعد تأخر نشر تفاصيله، فإن الأمور هذه المرة أكثر وضوحاً. ربطت المذكرة بين وقف النار وبين "إتاحة المجال لمفاوضات بنية صادقة للتوصل إلى اتفاق دائم للأمن والسلام بين البلدين"، ورهنت تمديدها بـ"اتفاق متبادل بين لبنان وإسرائيل إذا أُحرز تقدّم في المفاوضات، وإذا أظهر لبنان بشكل فعّال قدرته على فرض سيادته". والأخطر ما جاء في البند الثالث لجهة أنه "تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها أو الوشيكة أو الجارية. ولن يقيَّد هذا الحق بوقف الأعمال العدائية". أما الفتات الذي حصل عليه لبنان مقابل ذلك فتمثل بأنه "لن تنفذ إسرائيل أي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية أو العسكرية أو غيرها من أهداف الدولة داخل الأراضي اللبنانية براً أو جواً أو بحراً"، فيما أُسقط أي ذكر للقرار الأممي 1701 أو حتى لقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) التي تنتهي مهماتها العام أواخر العام الحالي وتنسحب العام المقبل، إلى جانب ما يتعلق باحتكار السلاح ومنع حزب الله وجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية الأخرى داخل الأراضي اللبنانية من تنفيذ أي هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية. هذه المعادلة التي فُرضت على بيروت، بما تعكسه من فخاخ واختلال لموازين القوى، تعني قبل أي شي أن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون شديدة الخطورة، لأن الاحتلال لن يألو جهداً لتثبيت كل حرف ورد في مذكرة التفاهم بالنار، تحديداً لجهة الاستمرار في استباحة الأراضي اللبنانية، خصوصاً أن مذكرة التفاهم تتيح له تحت مزاعم "الدفاع عن النفس" تبرير أي ضربة سيوجهها. كما أن الاحتلال، الذي يراقب مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، لن يتأخر في حال فشلها في استكمال عدوانه على نحو أشد، مثلما سيراقب المسار اللبناني الداخلي وحدود المعارك المنتظرة، خصوصاً أن المطلوب اليوم في ملف نزع سلاح حزب الله أكثر بكثير مما كان عقب نهاية الحرب في نوفمبر 2024.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية