عربي
اضطراب العبور عبر مضيق هرمز والحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية لم ينعكسا على النفط الخام فقط، بل امتدا إلى أكثر مفاصل الاقتصاد الصناعي حساسية، وهو قطاع البتروكيمياويات الذي تتفرع منه صناعات لا حصر لها، من التغليف والبلاستيك إلى المستلزمات الطبية. وأصاب "النافثا" والبلاستيك وسلاسل التغليف والصحة. ومنذ أواخر فبراير/ شباط، قفزت أسعار "متعدد الإيثيلين" بنحو 37% و"البولي بروبيلين" بأكثر من 38% في البورصة الصينية للعقود الآجلة للسلع "داليان".
ولا تكمن خطورة هذه المواد في أسعارها فقط، بل في اتساع القطاعات التي تقوم عليها. فمتعدد الإيثيلين يدخل في صناعة الأكياس ومواد التغليف وعبوات السلع الغذائية والزجاجات والأنابيب، ما يجعله مادة أساسية لقطاعات التعبئة والتغليف والغذاء والخدمات اللوجستية. أما "البولي بروبيلين"، فيستخدم في عبوات الطعام والأغطية والألياف الصناعية والكمامات والحقن وبعض مكونات السيارات والأجهزة المنزلية. لذلك، فإن ارتفاعه يضغط على الصناعة التحويلية والقطاع الصحي معاً. بينما تُعد "النافثا" مادة وسيطة محورية في إنتاج هذه المشتقات.
وتأتي آسيا اليوم في مقدمة المناطق الأكثر انكشافاً، لأن الاضطراب أصاب حلقة شديدة الحساسية في بنيتها الصناعية، وهي الاعتماد الكبير على خامات الشرق الأوسط لتغذية المصانع وإنتاج سلع يومية واسعة الاستخدام. فبلدان مثل الصين واليابان ودول في جنوب شرق آسيا تستهلك جزءاً كبيراً من البلاستيك المستخدم عالمياً، ما يجعل أي تعثر في تدفق المواد الأولية ينعكس مباشرة على الإنتاج والتكاليف.
وبحسب "رويترز"، تمثل خامات الشرق الأوسط عادة نحو 95% من واردات اليابان النفطية، ونقلت عن كبير موظفي الرئاسة في كوريا الجنوبية، كانغ هون سيك، قوله إن "61% من واردات بلاده من الخام و54% من وارداتها من النافثا مرت عبر مضيق هرمز العام الماضي".
هذا الخلل لم يبقَ في خانة الأسعار، بل انتقل إلى خطوط الإنتاج نفسها. فشركة البتروكيميائيات الكورية الجنوبية "يو تشون إن سي سي" خفضت إنتاجها وأعلنت القوة القاهرة في 4 مارس/ آذار بعد تعثر وصول شحنات "النافثا"، بحسب ما أوردته المنصة العالمية المتخصصة في بيانات أسواق الطاقة والبتروكيميائيات "آي سي آي إس" وتحليلاتها وأسعارها.
أما شركة البتروكيميائيات الإندونيسية "شاندرا أسري"، فأعلنت القوة القاهرة في 3 مارس/ آذار على جميع عقودها بعد اضطراب إمدادات المواد الخام من الشرق الأوسط، وفق ما أوردته ذات المنصة.
وفي سيول، لم تكتف الحكومة بمراقبة السوق، بل أعلنت وزارة الصناعة يوم الثلاثاء الماضي حظر اكتناز سبع مواد بتروكيميائية مشتقة من "النافثا"، بينها "الإيثيلين" و"البروبيلين" و"البيوتادايين" و"البنزين" و"التولوين" و"الزيلين".
ولم تقف الضربة عند حدود المصانع، ووصلت إلى القطاع الصحي. فالمشتقات البلاستيكية تدخل في صناعة الإبر والحقن والأنابيب والتغليف الطبي المعقم. فشركة التغليف الكورية الجنوبية "غاون إنترناشونال" خفضت إنتاجها اليومي إلى ما بين 10% و20% من طاقتها المعتادة البالغة مليون وحدة، وباتت تنبه زبائنها إلى أن تسليم الطلبات قد يتأخر حتى 8 أسابيع، وفق ما نقله "رويترز" عن هان كيونغ هون، مدير فريق المبيعات.
وفي الاتجاه المعاكس، قال المدير الأول في شركة تصنيع وتغليف لمستحضرات التجميل الكورية الجنوبية "كولمار كوريا"، كيم مين سانغ، إن "الطلب على العبوات الورقية التي تنتجها شركة التغليف يون وو الكورية الجنوبية قفز إلى ثلاثة أضعاف مستواه المعتاد، مع بحث الشركات عن بدائل للبلاستيك الغالي والنادر". وحتى شركة الألبان الماليزية "فارم فريش" اضطرت، بحسب "رويترز"، إلى التحول مؤقتاً إلى عبوات ورقية بسبب اضطراب إمدادات البلاستيك.
أما أوروبا، فلم تبلغ بعد مرحلة نقص واسع في البلاستيك، لكنها لم تعد بعيدة عن ارتدادات الأزمة. ففي إيطاليا، قال الرئيس التنفيذي لشركة مستحضرات التجميل "كيكو"، سيموني دومينيشي، إن "الحرب رفعت التكاليف اللوجستية الإضافية للمجموعة هذا العام بنحو 1.5 مليون يورو".
وفي السياق نفسه، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة الإيطالية "أنكوروتي" لمستحضرات التجميل، روبرتو بوتينو، إن "آجال التسليم لدى بعض الموردين امتدت من ثمانية أسابيع إلى ما بين 12 و14 أسبوعاً بسبب ازدحام الموانئ وطول المسارات البديلة".
وفي فرنسا، أظهرت القراءة النهائية لمؤشر مديري المشتريات الصناعي لشهر مارس/ آذار، الصادر عن "إس آند بي غلوبال" أن الحرب رفعت كلفة المدخلات وأطالت آجال التسليم، ودفعت بعض العملاء إلى تأجيل الطلبات أو إلغائها.
