عربي
يسعى رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز، العائد للتو من زيارة إلى الصين حيث التقى الرئيس شي جين بينغ، إلى تحويل برشلونة، يومي الجمعة والسبت، إلى مركز ثقل سياسي عالمي متعدد الأبعاد، في خطوة تعكس ترابط مواقفه وتحركاته الدولية الأخيرة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تموضع إسبانيا في النظام الدولي. فبعد أن دعا من بكين إلى دور صيني أكثر فاعلية في استقرار العلاقات الدولية، يعود ليجمع على الأرض الأوروبية طيفاً واسعاً من قادة اليسار العالمي. وتأتي هذه القمة متعددة المسارات، التي تجمع بين "الحراك التقدمي العالمي"، والقمة الثنائية الإسبانية-البرازيلية، إضافة إلى النسخة الرابعة من قمة "الدفاع عن الديمقراطية"، كجزء من تصميم سياسي يتجاوز مجرد التنسيق، نحو محاولة حشد أكبر عدد ممكن من الحلفاء في لحظة واحدة، وتحويل اللقاء إلى إعلان سياسي واسع النطاق يعكس ملامح توازنات دولية قيد التشكل.
وتكشف قائمة المشاركين عن حجم الرهان، من رؤساء البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، إلى المكسيك كلاوديا شينباوم، مروراً بالكولومبي غوستافو بيترو، وقيادات من خارج الفضاء الأوروبي مثل الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، إلى جانب شخصيات أوروبية مثل رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والرئيسة الأيرلندية كاثرين كونولي، ورئيس الوزراء الألباني إيدي راما. هذا الحضور المتنوع والتمثيل الجغرافي يشيران إلى محاولة واعية لبناء شبكة سياسية عابرة للأقاليم، تتجاوز الإطار التقليدي للتحالفات، وتطرح نفسها كبديل محتمل للاصطفافات الدولية القائمة.
يشارك في القمة رؤساء البرازيل وكولومبيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وقيادات أوروبية
أهداف قمة اليسار في برشلونة
تمكن قراءة قمة برشلونة المرتقبة بوصفها مشروعاً سياسياً يتجاوز الشعارات المعلنة، ويسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: أولاً، تشكيل جبهة سياسية مضادة لصعود اليمين الشعبوي العالمي، الذي يتجسد في سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحلفائه، بما في ذلك تقاطعاته مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعض الحكومات الأوروبية. الهدف هنا يمتد إلى خلق حالة تعبئة سياسية عابرة للحدود يمكن أن تنعكس داخلياً في كل دولة مشاركة. ثانياً، الدفع نحو إعادة توازن النظام الدولي باتجاه تعددية قطبية أكثر وضوحاً، حيث تسعى دول الجنوب العالمي، خصوصاً في أميركا اللاتينية وأفريقيا، إلى الانتقال من موقع الهامش إلى موقع التأثير في قرارات الحرب والاقتصاد والتجارة. وثالثاً، تعزيز مفهوم "السيادة الاستراتيجية"، سواء في أوروبا أو لدى دول الجنوب، وهو ما يتقاطع مع توجه سانشيز نحو تقليل الاعتماد على حلف شمال الأطلسي (ناتو) وفتح المجال أمام شراكات أوسع، بما فيها مع الصين. غير أن هذه القمة تأتي في لحظة دولية تتسم بثلاثة تحولات مركزية: أولها، عودة النزعة الأحادية في اتخاذ القرار الدولي، حيث تُدار ملفات الحرب والاقتصاد بمعزل عن التوافقات التقليدية متعددة الأطراف. ثانيها، تراجع الثقة الأوروبية في المظلة الأمنية الأميركية، خصوصاً مع دونالد ترامب، ما أعاد فتح النقاش داخل أوروبا حول حدود الاعتماد الأطلسي. ثالثها، صعود الجنوب العالمي كفاعل سياسي أكثر استقلالية، إذ لم تعد دول مثل البرازيل وكولومبيا وجنوب أفريقيا تكتفي بدور المتلقي، بل تسعى إلى التأثير في صياغة التوازنات الدولية.
تحالف ضد الحرب أم إعادة تعريف للموقف الدولي؟
رسمياً، تُقدَّم القمة بوصفها منصة لتنسيق موقف يساري مناهض للحروب، خصوصاً في ظل التصعيد المرتبط بإيران. لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن الأمر يتجاوز ذلك نحو إعادة تعريف موقع هذه الدول داخل النظام الدولي. فحين يتحدث سانشيز عن ضرورة "الإشارة إلى أخطاء الحلفاء"، في إشارة مباشرة إلى سياسات ترامب وتحالفه مع نتنياهو، فإنه يفتح نقاشاً نادراً داخل المعسكر الغربي حول حدود الطاعة السياسية. يعكس هذا التحول في الخطاب إدراكاً متزايداً لدى هذه القيادات بأن النظام الدولي لم يعد يُدار بتوافقات متعددة الأطراف، بل بات أقرب إلى قرارات أحادية تفرضها موازين القوة، وهو ما يدفعها للبحث عن صيغ توازن جديدة. تجربة فنزويلا مطلع هذا العام خير دليل على ذلك. كذلك الحرب الأحادية على إيران (كما وصفها سانشيز نفسه) تشير إلى كيف يتم اتخاذ القرار في عالم اليوم. غير أن ما يجري في برشلونة هو أكثر من مجرد تنسيق بين حكومات متقاربة أيديولوجياً واتخاذ مواقف مناهضة للحروب، إنه محاولة لإعادة إحياء فكرة "القطب التقدمي العالمي". فالعلاقات بين مدريد وعواصم أميركا اللاتينية لم تعد تقتصر على الروابط التاريخية أو الاقتصادية، بل تتجه نحو شراكة سياسية واضحة المعالم. يعيد هذا التوجه إلى الواجهة تجارب سابقة مثل "المد الوردي" (صعود اليسار) في أميركا اللاتينية، لكنه يضيف إليها هذه المرة بعداً أوروبياً. دخول إسبانيا على هذا الخط لا كوسيط، بل كطرف فاعل، يعكس تحولاً في دورها من جسر بين القارتين إلى جزء من محور سياسي ناشئ. إنه حلف جنوبي، ولكن هذا المرة بغطاء أوروبي.
تُقدَّم القمة بوصفها منصة لتنسيق موقف يساري مناهض للحروب
من خطاب الحرب إلى فكرة الجيش الأوروبي
لفهم هذا التحرك، لا بد من العودة إلى التحول الأخير في خطاب سانشيز، الذي بلغ ذروته عندما دعا صراحة إلى إنشاء جيش أوروبي "فوراً، لا خلال عشر سنوات أو حتى عامين". هذا الطرح، غير المسبوق من زعيم أوروبي بحجم إسبانيا، يعكس قناعة بأن القارة لم تعد قادرة على الاعتماد الكامل على حلف شمال الأطلسي. وهذا الموقف، بطبيعة الحال، لم يأتِ من فراغ. فقد كان سانشيز من أوائل القادة الذين عارضوا بوضوح التصعيد العسكري تجاه إيران، معتبراً أن تكرار أخطاء الماضي، في إشارة ضمنية إلى حرب العراق، لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار. ومن وجهة نظر حكومته، فإن هذا الموقف لم يكن فقط صائباً أخلاقياً، بل نجح أيضاً في دفع نقاش أوروبي أوسع، حيث بدأت مواقف مشابهة تظهر تدريجياً داخل الاتحاد.
بين "ناتو" والصين: إعادة تموضع محسوبة
في موازاة ذلك، تتحرك إسبانيا في اتجاه إعادة صياغة علاقاتها الدولية، خصوصاً مع الصين. فخلال السنوات الأخيرة، كثّف سانشيز زياراته إلى بكين، حيث التقى شي جين بينغ، داعياً إلى دور صيني أكبر في ضمان الاستقرار الدولي. ويعكس هذا الانفتاح تحوّلاً في الرؤية الإسبانية، التي لم تعد ترى في الصين مجرد "تحدٍ استراتيجي" كما يصفها "ناتو"، بل شريكاً يمكن أن يساهم في إعادة التوازن للنظام الدولي، خصوصاً في ظل تراجع الثقة الأوروبية في ثبات السياسات الأميركية. ولا ينفصل هذا الحراك عن السياق الداخلي الإسباني. فالحكومة، التي واجهت أزمات سياسية متتالية، وجدت في السياسة الخارجية مجالاً لإعادة بناء صورتها. المواجهة مع ترامب، ورفض زيادة الإنفاق العسكري، ومن ثم استضافة هذا الحشد الدولي في برشلونة، كلها عناصر تعزز صورة سانشيز كقائد يتجاوز حدود أزماته الداخلية. في المقابل، يجد خصومه، وعلى رأسهم رئيس الحزب الشعبي الإسباني ألبرتو نونيز فييخو، أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما مجاراة هذا الخطاب الاستقلالي، أو الظهور بمظهر التابع لتحالفات دولية لم تعد تحظى بالإجماع.
الحكومة الإسبانية التي واجهت أزمات سياسية متتالية، وجدت في السياسة الخارجية مجالاً لإعادة بناء صورتها
يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه القمة بداية مسار سياسي مستدام، أم مجرد لحظة رمزية؟ التحدي الحقيقي أمام هذا التحالف هو الانتقال من خطاب مناهض للحرب إلى سياسات عملية، سواء في الاقتصاد أو الأمن أو العلاقات الدولية. ومع ذلك، فإن ما يجري في برشلونة يعكس تحولاً لا يمكن تجاهله: في عالم يتجه نحو الاستقطاب، تحاول قوى اليسار إعادة تنظيم نفسها، مستفيدة من التصدعات داخل المعسكر الغربي. وبين الطموح والمخاطر، يبدو أن سانشيز يراهن على أن اللحظة الدولية الحالية تتيح ما لم يكن ممكناً قبل سنوات قليل.
