"أبانا الذي ليس في البيت الأبيض"
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يمكن تخيّل المشهد لو أن شخصية دونالد ترامب قادت دولة عسكرية انقلابية، حيث يُوضع الدستور والحريات جانباً تحت عنوان "المصلحة الوطنية العليا". في خطابه وسلوكه، لا يقدّم ترامب نفسه مجرد رئيس، بل منقذا استثنائيا، يمتلك ما لا يمتلكه غيره من "قوة وذكاء". وقد تجسدت هذه الصورة بوضوح حين ظهر في ملصق مولّد بالذكاء الاصطناعي بهيئة السيد المسيح، في استعارة لم يتراجع عنها اعتذاراً، بل تعامل معها بوصفها امتدادا طبيعيا لرؤيته لنفسه وزعم بعد الجدل الذي أثارته أنها تصوره طبيبا. وسبق لترامب أن نشر صورة له في مايو/أيار العام الماضي في هيئة بابا الفاتيكان. في هذا السياق، لا تبدو اللغة الدينية في خطاب ترامب عابرة، بل جزءاً من ولعه بسردية أوسع تُضفي طابعاً كهنوتياً شبه مقدّس على قرارات سياسية وعسكرية. حتى في ذروة التوترات والحروب، ومنها التهديد بتدمير حضارة إيران، حاول تصوير الأحداث وكأنها تصب في "خدمة الرب". وهنا برز دور وزير حربه، بيت هيغسيث، الذي اعتبر أن العمليات العسكرية نُفذت تحت حماية "إلهنا القدير"، داعياً الأميركيين إلى الصلاة من أجل النصر "باسم يسوع المسيح". أما ترامب نفسه، فلم يتردد في القول إن "الرب يبارك الحرب… لأن الرب صالح". لكن هذا التوظيف المكثف للدين لم يمر دون اعتراض. فقد دخل ترامب في مواجهة حادة مع البابا لاوون الرابع عشر، بعدما انتقد الأخير الحرب واستخدام الدين لتبرير العنف. وردّ ترامب بهجوم شخصي، واصفاً البابا بأنه "ضعيف" و"منحاز لليسار المتطرف" و"ماركسي كامل"، معتبراً أن انتقاد رئيس منتخب "بأغلبية ساحقة" أمر غير مقبول. في المقابل، حذّر البابا من "وهم القدرة المطلقة" الذي بات أكثر عدوانية وتقلباً، مؤكداً أن الله لا يستجيب لصلوات "أيدٍ ملوثة بالدماء". تعكس هذه المواجهة ما يتجاوز الخلاف السياسي إلى صدام بين رؤيتين: الأولى تُقدّس السلطة وتمنحها شرعية شبه مطلقة، والثانية تسعى لضبط العلاقة بين الأخلاق والدين والسياسة. في هذا السياق، يبدو ترامب أقرب إلى زعيم يضع نفسه فوق المساءلة، مدفوعاً بنرجسية سياسية تقدّم الذات مرجعية نهائية، يُراد لها أن تُطاع بلا نقاش، في مقولة: "أبانا الذي في البيت الأبيض". أما داخل معسكر "ماغا" فيستمر الانقسام. بينما يدافع أنصار ترامب عنه، يراه آخرون ضمن تيار "أميركا أولاً" منقاداً خلف مجرم الحرب بنيامين نتنياهو. وعلى الضفة الأوروبية، تتحول صديقته الإيطالية جيورجيا ميلوني "الجميلة" كما وصفها ذات مرة، إلى نموذج لرفض هذا النهج، باعتبار أن "الإمبراطور عارٍ"، وهو موقف يتقاطع مع أصوات أوروبية ترفض الانصياع الأعمى لزعامة تقترب من جنون العظمة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية