عربي
لكي تجيب على سؤال من الذي قرّر هدنة الليالي العشر في جنوب لبنان عليك أن تسأل أولاً من الطرفان المتقاتلان هناك، وبعدها يمكنك أن تشرح وتفسّر وتحلّل وتمنح الفضل لهذا أو ذاك، أو تشكر هذه الدولة الشقيقة أو تلك الصديقة، كما تشاء.
للهدنة التي أعلن عنها دونالد ترامب مساء أمس أكثر من ترجمة، فالإسرائيلي يراها "هدنة جوية" بمعنى أنّ تموضعه البرّي على الأراضي اللبنانية المُحتلة لن يمسّ، بل إنّ بنيامين نتنياهو يعلن بوضوح إذ يبلّغ أعضاء مجلسه الوزاري المُصغّر بالقرار "المكان الذي وصلنا إليه في لبنان سنبقى فيه". وبالتالي، القراءة الصهيونية للموقف تقول بوضوح إنّها هدنة تكرّس الاحتلال في الجغرافيا التي اقتطعها من الجنوب اللبناني... أما لبنانيّاً، فقد اعتبرها رئيس الحكومة نواف سلام هدية من دونالد ترامب لدولته، بل وراح يحاول الإيحاء بأنّها ثمرة لقاء الثلاثاء بين سفيرته وسفير نتنياهو في واشنطن، ثم شكر من أعماقه السحيقة أميركا وأوروبا والسعودية ومصر وقطر والأردن على أدوارها في التوصّل إلى الهدنة التي ارتفعت خلال السويعات السابقة على بدء تنفيذها وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين في الجنوب اللبناني.
عودة إلى السؤال: من طرفا الهدنة؟ الإجابة المنطقية: هما طرفا القتال، أي حزب الله اللبناني المُقاوم ببسالة مذهلة وجسارة تليق برجال يعرفون قدسية التراب الوطني، بمواجهة الاحتلال الصهيوني. وبالتالي، يصبح القول إنّ الهدنة جاءت بموجب اتفاق بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بوساطة ترامب مجرّد لغو فارع في سياق النزق السياسي الذي تمارسه الدولة اللبنانية الرسمية التي قرّرت شراء ودّ المُحتل الصهيوني بالخصومة مع المقاومة اللبنانية وداعمتها إيران، ومن ثم تحاول تسويق مقولات من نوعية فصل المسارين، الإيراني واللبناني، بينما كلّ مفردات الواقع تؤكّد أنّه ما كان يمكن التوصّل إلى هذه الهدنة من دون موافقة طهران وحزب الله، الأمر الذي يدعم فرضية ارتباط المسارين عوضاً عن فصلهما، خصوصًا أنّ المدى الزمني للهدنة المُعلنة في لبنان يزيد قليلاً عن مدى الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تنتهي بعد أسبوع تقريباً.
يلفت النظر أنّ حجم الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية أمس الخميس في الساعات السابقة على إعلان الهدنة كان الأوسع والأعنف، إذ نفّذ العدو عدة غارات جوية وعمليات برّية يقترب من حصيلة عشرة أيام كاملة من الإجرام، إذ عمد جيش الاحتلال إلى إحداث دمار شامل بأكبر عدد من الجسور والمعابر البرّية، بحيث يضمن عزل معظم مساحة الجنوب اللبناني عن باقي لبنان بشكل كامل، على نحو ما جرى من نسف الجسر البري الرئيس الذي يصل بين مدينة صور والعمق اللبناني، ما أدّى إلى فصل المدينة عن لبنان تماماً، ويشي هذا السلوك الإسرائيلي بأنّه كان ثمّة علم لدى جيش الاحتلال في وقت مُبكّر بقرار الهدنة، وبالتالي عمل على القضاء على أيّة فرصة لعودة الأهالي النازحين من قرى الجنوب إلى بيوتهم، وفي الأذهان مشاهد العودة المليونية لسكان الجنوب عند إعلان وقف القتال في العام الماضي.
ميدانيًا، كلّ المعطيات تقول إنّنا بصدد هدنة هشّة، ربّما لن تصمد بضعة أيّام بالنظر إلى السجّل الإجرامي للاحتلال في هدن سابقة، والأرجح أنّ القصد من إعلان هدنة كهذه هو تمهيد الطريق لاقتياد الرئيس اللبناني إلى لقاء نتنياهو في واشنطن، بحسب ما أعلن دونالد ترامب، غير أنّها في كلّ الأحوال تبقى هدنة ما كان يمكن للرئيس الأميركي إعلانها من دون تفاهمات مع الجانب الإيراني، الداعم والحليف للمقاومة اللبنانية، وعلى ذلك، فإنّ صمودها أو مدّها مرهون بما سيجري بين واشنطن وطهران خلال الأيّام المقبلة.
غير أنّ الأهم من كلّ ذلك أنّها هدنة ما كان يطلبها الأميركي ويوافق عليها الصهيوني لولا أنّ المقاومة اللبنانية صمدت وقاتلت بشجاعة وأداء عسكري مُذهل، ولا تزال قادرة على الصمود وعدم التنازل عن سلاحها ما دامت الأرض اللبنانية تحت الاحتلال.
