عربي
يوماً بعد يوم، تزيد تعقيدات المشهد الداخلي اللبناني على وقع العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، والذي لم يتوقف رغم الهدنة التي أخذتها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكما كان متوقّعاً منذ بداية هذا العدوان، الجبهة اللبنانية بالنسبة إلى دولة الاحتلال منفصلة كلياً عن جبهة إيران، خصوصاً بعدما أظهر حزب الله في الأسابيع الماضية بأساً فاجأ أنصاره ومعارضيه، وفاجأ المخابرات الإسرائيلية التي كانت تعتقد أنها وجّهت ضربة قاصمة إلى الحزب في حرب 2023.
أفرز هذا الواقع انقساماً لبنانياً كبيراً، وفي طريقه إلى التصعيد. انقسام بدأ بالرفض الحكومي لمشاركة حزب الله في الحرب إسناداً لإيران، والذي وصل إلى حد اعتبار الجناح العسكري للحزب خارجاً عن القانون. أوصل هذا التصنيف حال الاصطفاف في البلاد إلى مرحلة غير مسبوقة، تذكّر بالمراحل التي سبقت محطات الاحتراب الأهلي التي عاشها لبنان في العقود السابقة.
بدا واضحاً، خلال أيام العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، أن هناك خطابين سياسيين جذريين في لبنان لا مجال للقائهما، الأول ممثل بالسلطة الرسمية، وتحديداً رئيسي الجمهورية والحكومة ومعهما الأطياف السياسية المعارضة لحزب الله، والثاني يمثله الحزب ومن تبقى معه من حلفاء داخليين، وهم لم يعودوا كثراً.
يقوم الخطاب الأول على السعي باستماتة إلى إرضاء الجانب الأميركي، ومن ورائه بدون شك إسرائيل، مع تحميل حزب الله مسؤولية العدوان الذي يعيشه لبنان. لدى هذا الطرف بعض نقاط محقّة في خطابه، لكنه ذهب بعيداً جداً في مسعاه لوقف العدوان. إذ وصل إلى القبول المجاني بمفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي أقيمت في واشنطن تحت النار، وبات قاب قوسين أو أدنى من التطبيع السياسي مع الاحتلال، في ظل الضغط الأميركي لجمع الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في مكالمة هاتفية، وهو ما غرّد في شأنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن الرئيس اللبناني رفض هذه المحاولة الآن، لكن احتمال تكرارها سيبقى وارداً.
وبالعودة إلى اللقاء في واشنطن بين السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي يمكن وصف نتائجه بأنها كانت كارثية إلى حد بعيد، خصوصاً بعد البيان الثلاثي الذي صدر عقب اللقاء، والذي صوّر الحكومة اللبنانية حليفاً لإسرائيل في مهمة نزع سلاح حزب الله، إذ نصّ على أن "إسرائيل أكدت التزامها بالعمل مع الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الجماعات غير الحكومية"، وهو ما لم يخرج أي مسؤول لبناني لاحقاً ليوضحه.
على المقلب الآخر، هناك حزب الله، مع قليل من الحلفاء الذين لا يرون بديلاً للقتال في مواجهة العدوان الإسرائيلي، ويعتقدون، إلى حد بعيد، أنهم حققوا إنجازات في الميدان تخوّلهم فرض شروط على دولة الاحتلال والمطالبة بالوقف الفوري للعدوان، على الرغم من سيطرة القوات الإسرائيلية على قرى كثيرة في الجنوب اللبناني وتدمير أجزاء واسعة منها، تمهيداً لإنشاء منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني، بحسب ما يعلن أكثر من مسؤول إسرائيلي.
ما بين هذين الموقفين شرخ شاسع، ازداد بعد مفاوضات واشنطن التي نظر إليها حزب الله استسلاماً للشروط الإسرائيلية. ورغم إيجابية رفض الرئيس اللبناني للحديث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، وإمكانية انعكاسه قليلاً على الاحتقان الداخلي، إلا أنه سيبقى مرحلياً، خصوصاً أنه لا يغيّر من واقع الخلاف الكبير القائم بين "الدولة" وحزب الله.
ولعل استمرار العدوان الإسرائيلي حالياً وحده ما يعصم الوضع الداخلي عن الانفجار، سياسياً وأمنياً، خصوصاً أن الضغط الأميركي على لبنان هو الدخول في عملية سياسية كشرط مسبق لوقف العدوان، ما من شأنه أن يعيد الذاكرة إلى عام 1984، وما سمي حينها "انتفاضة 6 شباط" التي أسقطت "اتفاق 7 أيار" الذي أبرمه الرئيس اللبناني في حينها، أمين الجميل، مع إسرائيل. وكان لهذه الذكرى تداعيات أوصلت لبنان إلى التقسيم سنوات، وهو غايةٌ لا يخفي الطرف الإسرائيلي رغبته في تحقيقها.

أخبار ذات صلة.
الشيخ سلمان آل خليفة: نرفض تسييس كرة القدم
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة