عربي
رغم فارق ميزان القوى الهائل بين الطرفَين، تجلس واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات ندَّين متساويَّين. على مدى 40 يوماً، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بشكل مدمّر، وقتلتا في اليوم الأول مرشدها الأعلى علي خامنئي وعدداً كبيراً من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية، وفرضتا سيطرةً شبه كاملة في سماء إيران. صحيحٌ أنّ إيران ردّت عبر صواريخها الباليستية وطائراتها المسيَّرة على إسرائيل والأصول العسكرية الأميركية في المنطقة، وعطّلت الملاحة إلى حدّ كبير في مضيق هرمز، بالإضافة إلى شنِّ اعتداءات على جيرانها العرب، إلا أنّ حجم الردِّ الإيراني لم يكن في مستوى القوى النارية الأميركية والإسرائيلية. ومع ذلك، تمكّنت طهران من فرض وقف إطلاق نار على إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي لم يكن سعيه إليه بأقلّ من سعي إيران. بمعنى أن لا واشنطن ولا تل أبيب تمكّنتا من فرض استسلام على طهران، كذلك لم يسقط النظام بفعل الضربات الأميركية - الإسرائيلية، ولا بفعل ثورة شعبية، ولم يحدُث انقلاب من داخله. حتى تهديد ترامب بتدمير جميع محطّات الطاقة والجسور في إيران، فضلاً عن "محو حضارة كاملة"، التصريح الذي فُهم منه أنّه قد يتضمّن استخدام الإدارة الاميركية أسلحةً نوويةً تكتيكيةً، لم ينجح في إخضاع طهران، وعندها كان ترامب هو من بادر بالنزول عن الشجرة عبر السلّم الباكستاني.
ثمّة من يقدّم تفسيراً لمستوى الصمود والفاعلية الإيرانية في المواجهة من منطلق "الحروب غير المتناظرة" (Asymmetric Warfare) التي تعني هنا حرباً تشنّها قوة تقليدية كبرى (الولايات المتحدة بدعم إسرائيلي) على قوة أضعف (إيران)، سواء أكانت دولة صغيرةً أم حركات مقاومة أم تنظيمات مسلّحة. ولأنّ مثل هذه الحروب تكون غير متكافئة من حيث القوة والإمكانات، تلجأ القوى الأضعف إلى الصواريخ الرخيصة والطائرات المسيّرة والكمائن، معتمدةً على إطالة أمد الحرب واستنزاف إمكانات العدو وكسر إرادته، إذ دائماً ما يسعى الطرف الأقوى لحسم سريع للصراع، معتمداً على قوته الساحقة وتقدّمه الاستخباراتي والتكنولوجي. إذن، هي حرب إرادات، وليست حرب سلاح فقط، والانتصاران، المعنوي والرمزي، فيها قد يكسران النصر المادي. وفي التاريخ الحديث أمثلةٌ كثيرة على ذلك، من الورطات الأميركية في فيتنام وأفغانستان والعراق، وتورّط الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وروسيا في أوكرانيا، وإسرائيل في قطاع غزّة ولبنان، إلخ.
يبدو أنّ إيران هي المنتصرة استراتيجياً فأيٌّ من أهداف حرب ترامب – نتنياهو لم يتحقّق
نعلم من تقارير أميركية وإسرائيلية متعاضدة أنّ ترامب، بتحريض من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ظنّ أنّه قادر على حسم الحرب مع إيران بسرعة كبيرة، سواء عبر استسلام النظام الإيراني أو انهياره، رغم تحذيرات مستشاريه العسكريين والاستخباراتيين من تبنّي "المبالغات" الإسرائيلية. كان النموذج الفنزويلي قد أسكر ترامب حتى الثمالة. لم يفهم أنّ الحرب بالنسبة إلى إيران وجودية، بينما هي بالنسبة إليه حرب خيار، وشتّان شتّان بين مَن يخوض حرباً دفاعيةً في سبيل بقائه ومَن يشنّ حرباً عدوانية في سبيل تعزيز هيمنته. اللافت أنّ ترامب لم يتعلّم من تجربته مع الإيرانيين على مدى أربع سنوات خلال ولايته الرئاسية الأولى (2017 – 2021)، ثم منذ مطلع رئاسته الثانية (2025). لم تفلح سياسات "العقوبات الاقتصادية" القصوى، ولا اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في بغداد عام 2020، وبعد ذلك انضمام الولايات المتحدة إلى حرب الـ12 يوماً الإسرائيلية في يونيو/ حزيران 2025 في كسر إرادة طهران وإرغامها على المجيء خانعةً خاضعةً.
أبعد من هذا، كان ترامب نفسه قد تعجّب، كما نقل مبعوثه الخاص للمفاوضات مع طهران ستيف ويتكوف قبل أسابيع قليلة من بدء العدوان الأميركي – الإسرائيلي الراهن على إيران، من "عدم تقديم الإيرانيين تنازلات حتى الآن!". بل إنّ ترامب، في خضمّ شراسة المقاومة الإيرانية الحالية، أقرَّ بصلابة الشعب الإيراني، واصفاً إيّاه بأنه "شديد القوة، ومقاتلون أكفاء". وهكذا، انتقل ترامب رويداً رويداً من مطالبة طهران بـ"الاستسلام غير المشروط"، إلى التلميح بأنّه قد يقبل تقاسم مضيق هرمز معها، ثم إلى تلويحه للعالم باحتمالية "التنازل" لها عنه، انتقاماً من الحلفاء والخصوم الذين رفضوا دعواته المتكرّرة إلى التورّط في حرب لم يردها إلا هو ونتنياهو. وها هو يخوض مفاوضات ندّية معها حول برنامجها النووي، وبرنامجها للصواريخ الباليستية، ومحورها في الإقليم، مقابل محفّزات اقتصادية وعمرانية وجيوسياسية. صحيح أنّ ترامب لا يزال يصرّ على أنّ الولايات المتحدة انتصرت، وهي أوقعت دماراً هائلاً في إيران وأضعفت قدراتها العسكرية والاقتصادية إلى حدٍّ كبير، لكن في الموازين الاستراتيجية، يبدو أنّ إيران هي المنتصرة، ذلك أنّ أيّاً من أهداف الحرب التي أعلنها ترامب – نتنياهو لم يتحقّق، فيما يبدو النظام في طهران في وضع جيوسياسي أشدّ فاعليةً اليوم.
