الكرسي الفارغ
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لم يكن الكرسي فارغًا تمامًا. كانت ابنتي تجلس عليه. تتكلّم بثقة. تضحك وتقود الحديث بخفّة واطمئنان. لكن ما لفت انتباهي لم يكن من يجلس على ذلك الكرسي، بل إنّني لم أعد أنا ذلك الشخص. لم يكن ذلك اكتشافًا صادمًا، بل لحظة إدراك هادئة، جاءت في منتصف ضجيج مألوف، لتعلن عن نفسها بهدوء من دون أن تحدث أيّ ضجيج. كان اللقاء عائليًا كغيره. الجميع حول طاولة طويلة. تتناثر الأطباق وتتداخل الأصوات. تعليقات وأسئلة وأجوبة وضحكات تأتي في توقيتها الصحيح، وأحيانًا قد تتأخّر قليلًا ثم تلحق بالبقية. حوارات جانبية خفيفة. رائحة الطعام تملأ المكان. بهارات دافئة وخبز خرج توًّا من الفرن. أصوات الملاعق وهي تُلامس الصحون بإيقاع خفيف يكاد يكون موسيقيًا. في مثل هذه الجلسات، كنت أعرف مكاني جيّدًا. لم يكن محدّدًا رسميًا لكنه كان واضحًا. حين يتشعّب الحديث أختصره. حين يتردّد أحدهم أتدخّل. وحين تعلو الأصوات غير المُنظّمة أخفّف من ارتباكها بشكل غير مرئي فتهدأ. في تلك الليلة، بدأ كلّ شيء كما يبدأ دائمًا، ثم تغيّر شيء صغير، لكنه كافٍ ليُعيد ترتيب المشهد. لم يكن في مكان الكرسي على رأس الطاولة ولا في عدد الحاضرين، بل في اتجاه الانتباه. بدأت ابنتي تتكلّم، لا بحماس زائد، بل بثقة هادئة تشبه من يعرف أنّه لا يحتاج أن يرفع صوته كي يُسمع. عرضت فكرة وشرحتها ثم استقبلت التعليقات من دون استعجال. كان الحديث يتحرّك من خلالها بسلاسة، يتقدّم خطوة ثم يستقر من دون أن يتعثّر أو يبحث عمن ينقذه. لم أكن خارج الدائرة ولم أكن على هامشها، كنت فيها، لكن من زاوية مختلفة، تسمح لي أن أرى من دون أن أقود وأن أستمع من دون أن أُفسّر  لاحظت كيف أنّ العيون تتجه نحوها وكيف أنّ الأسئلة تُطرح عليها وكيف تتشكّل الجمل حول صوتها بشكل تلقائي. وفي لحظة قصيرة واضحة، وبشكل مفاجئ، أدركت أنّني لم أُخاطب أو أُسأل عن شيء. لم ينتظر أحد أن أقول أو أحرّك دفة الحوار. لم يكن ذلك لأنني غائب، بل لأنّ الحاجة لم تعد كما كانت. كان المشهد مُكتملًا من دون أن أكون في مركزه. لم يكن في ذلك شيء جارح، لكنّه لم يكن عابرًا أيضًا. كان فيه شيء يستحق مشاهدته وليس تجاوزه. شعور خفيف بأنّ الدور الذي اعتدت أن أؤديه لم يعد يُستدعى تلقائيًا، وأنّ الإيقاع يمكن أن يستمر ويتماسك من دون أن أمرّ من خلاله. في الماضي، كنت سأتدخّل من دون تردّد، أضيف تعليقًا أو أُعيد صياغة فكرة أو ألتقط خيط الحديث وأُعيد توجيهه نحو ما أراه أوضح أو ما أرغب فيه. لم يكن ذلك بدافع السيطرة بقدر ما كان إحساسًا بالمسؤولية، وربّما أيضًا متعة خفية في أن أكون من يُعيد ترتيب الفوضى إلى معنى أو يقود دفة الحوار إلى الأمام. لكنني هذه المرّة بقيت حيث أنا. لا تنتهي الأبوة ولا تختفي لكنها تُغيّر شكلها، تنتقل من القيادة المباشرة إلى حضور أهدأ وأقلّ استعجالًا وضعت يدي حول الكوب وشعرت بحرارته تتسلّل ببطء إلى راحتي. استمعت أكثر ممّا تكلّمت. لاحظت أشياء لم أكن أراها حين كنت في المركز؛ نبرة الصوت حين تهدأ من تلقاء نفسها، التوقّف القصير قبل الرد، الضحكة التي تأتي من دون مجهود، وتلك اللحظات الصغيرة التي يجد فيها الحديث توازنه من دون تدخل. كان الإيقاع يعمل وكان جميلًا. لم يكن سهلاً أن أبقى خارج المركز، ليس لأنني أرفض ذلك، بل لأنّني اعتدت عليه طويلًا. كانت هناك لحظة قصيرة وخاطفة مرّت فيها فكرة مألوفة: "ربما عليّ أن أضيف شيئًا." فكرة لم تكن ملحّة لكنها كانت جاهزة. ثم تلاشت بهدوء وكأنّها أدركت أنّها لم تعد ضرورية. كانت فكرة عابره فقط، تركتها تمر.  ومع مرور الوقت، بدأ المشهد يتّسع. لم أكن خارج الدائرة ولم أكن على هامشها، كنت فيها، لكن من زاوية مختلفة، تسمح لي أن أرى من دون أن أقود وأن أستمع من دون أن أُفسّر وأن أكون حاضرًا من دون أن أكون محورًا لما يدور حولي. كان في ذلك قدر من الراحة وشيء من المتعة أيضًا. لم يعد الدور أن تتقدّم دائمًا، بل أن تعرف متى تفسح المجال ومتى تترك الإيقاع يكبر من دون أن تغادره وحين انتهى اللقاء، لم أشعر بأنني فقدت شيئًا، بل شعرت بأنني انتقلت، أنّني في مساحة مختلفة، أكثر تأثيرًا أو اقل، لا يهم. هي مساحة تلتقي مع توازن الدور. ربّما هذا ما يحدث للأبوّة مع الوقت. لا تنتهي ولا تختفي لكنها تُغيّر شكلها، تنتقل من القيادة المباشرة إلى حضور أهدأ وأقلّ استعجالًا، لكنه ليس أقلّ تأثيرًا. لم يعد الدور أن تتقدّم دائمًا، بل أن تعرف متى تفسح المجال ومتى تترك الإيقاع يكبر من دون أن تغادره. انتهى اللقاء وظلّ ذلك الكرسي في ذهني. لم يكن فارغًا ولن يكون كذلك، سيجلس عليه دائمًا من يحتاج أن يجلس ومن يستطيع أن يحمل الحديث في لحظته، وهذا في حدّ ذاته ليس خسارة، لأنّ ما يتغيّر ليس قيمتك في المشهد، بل موقعك داخله. وما يبقى هو قدرتك على أن تكون جزءًا منه، بخفّة أكثر واتساع أكبر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية