استثمار مرتبط بجيش الاحتلال الإسرائيلي يهز منصة موبي للأفلام
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
عندما تلقى المخرج الأميركي جيم جارموش جائزة الأسد الذهبي عن فيلمه "أب، أم، أخت، أخ" (Father Mother Sister Brother) العام الماضي، سُئل عن الجهة الموزعة للفيلم وهي منصة موبي (Mubi)، تحديداً عن علاقتها بشركة سيكويا التي تدعم شركات ناشئة تعمل مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. حينها أضاف جارموش صوته إلى موجة الانتقادات المتصاعدة ضد منصة الأفلام، وقال: "شعرتُ بخيبة أمل وقلق إزاء هذه العلاقة (بين موبي وسيكويا). وإذا أردتم مناقشة هذا الأمر، فعليكم توجيه الأسئلة إلى موبي نفسها، فأنا لستُ المتحدث باسمها". تختلف "موبي" عن غيرها من منصات الأفلام؛ فبينما تتجه "نتفليكس" و"ديزني" وغيرهما إلى عالم المُنتجات التجارية، تمثّل "موبي" ما يشبه معبداً لمحبّي السينما المستقلة وسينما المؤلف. ومع ذلك، شهدت هذه المنصة البريطانية ومركزها لندن، التي اشتهرت بكونها الحاضنة الأساسية للنجاحات الجماهيرية والنقدية لأعمال مثل فيلم "المادة" (The Substance)، تحولاً دراماتيكياً في بنيتها الاقتصادية. فبعد وقت قصير من دخولها غمار المنافسة الكبرى وحصولها على أول ترشيح لجائزة أوسكار أفضل فيلم، نجحت الإدارة في اقتناص استثمار ضخم بقيمة 100 مليون دولار. هذا التمويل، كما أوردت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية في تقرير لها يوم 10 إبريل/ نيسان الحالي، قادته "سيكويا كابيتال"، وهي من عمالقة رأس المال المغامر في وادي السيليكون. بفضل هذه الصفقة، قفز تقييم "موبي" ليصل إلى مليار دولار، لتنضم رسمياً إلى فئة شركات اليونيكورن النادرة (الشركات الناشئة التي تصل قيمتها السوقية إلى مليار دولار أو أكثر، من دون أن تكون مدرجة في البورصة). ولكن، بدلاً من أن تكون هذه الخطوة احتفالاً بالنمو، تحولت إلى بداية أزمة هوية كبرى هزت أركان الشركة وأدخلتها في دوامة من الاضطرابات السياسية والأخلاقية. انفجرت الأزمة عندما اكتشف الموظفون والجمهور وصناع الأفلام، الذين يشكلون مجتمع السينما المستقلة ذا الميول اليسارية والتقدمية، تفاصيل حول شركاء "موبي" الجدد. تبين أن شركة سيكويا كابيتال داعم رئيسي لشركات ناشئة مرتبطة بجيش الاحتلال الإسرائيلي، من أبرزها شركة كيلا المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع. زاد الطين بلة سلوك بعض شركاء "سيكويا" على الفضاء الرقمي؛ إذ أثارت منشورات الشريك في "سيكويا" والمقرب من إيلون ماسك، شون ماغواير، موجة عارمة من الغضب. لم يكتفِ ماغواير بإظهار دعمه الصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل عبّر بوضوح عن تأييده المطلق لإسرائيل، وهاجم سياسات التنوع والشمول، بل وصل الأمر إلى الهجوم الشخصي على شخصيات سياسية مثل عمدة نيويورك زهران ممداني. أشارت الصحيفة الأميركية إلى أن ارتباطات منصة موبي الاستثمارية وضعتها في مواجهة اتهامات بالاستفادة مادياً من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، ما دفع المنصة خلال عام 2025 إلى الانشغال بمحاولات نفي هذه الاتهامات بدل التركيز على نشاطها الفني، في وقت كانت فيه أوضاعها المالية تتدهور. انعكست الأزمة مباشرة على الأداء المالي، إذ أنهت "موبي" عام 2025 بنحو 1.2 مليون مشترك فقط، أقل من بداية العام، مع إيرادات بلغت 200 مليون دولار، مقابل خسارة صافية قدرها 7.3 ملايين دولار. كما تكبّدت خسائر إضافية في قطاع التوزيع السينمائي، بعدما فشل فيلمها الأعلى كلفة "مُت يا حبيبي" (Die My Love) في شباك التذاكر، محققاً نحو 12 مليون دولار فقط رغم ميزانيته المرتفعة. تأسست "موبي" على يد رجل الأعمال التركي إيفه تشاكاريل، الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ستانفورد، انطلاقاً من فكرة قائمة على الاختيار الفني الدقيق، حيث كانت تضيف فيلماً واحداً يومياً لمدة 30 يوماً. ومع جائحة كوفيد-19، توسعت المنصة عالمياً وتخلت عن هذا النموذج لصالح مكتبة دائمة، قبل أن تدخل مجال التوزيع السينمائي. عام 2024، اتخذ تشاكاريل مخاطرة كبرى بدفع 12 مليون دولار لشراء حقوق فيلم "المادة" (The Substance) بعدما تراجعت عن ذلك شركة يونيفرسال بيكتشرز. نجح الرهان وحقق الفيلم 77 مليون دولار، وجلب ديمي مور إلى منصات التتويج. هذا النجاح هو ما أغرى "سيكويا" للاستثمار. لكن هذا الاستثمار فتح الباب لأزمة سياسية، بعدما اتهمت مجموعة "عاملون في السينما من أجل فلسطين" (Film Workers for Palestine) المنصة بالارتباط غير المباشر بالجيش الإسرائيلي. داخلياً، تصاعد التوتر مع توسع المنصة من 40 إلى أكثر من 400 موظف، حيث وقّع نحو 200 موظف رسالة احتجاج عبر تطبيق سيغنال، طالبوا فيها بإعادة أموال "سيكويا"، معتبرين أنها تتعارض مع قيم الشركة. وخارجياً، انسحب مخرجون حائزون "أوسكاراً" لأفلام وثائقية عن فلسطين من تعاونهم مع "موبي"، وأُلغي مهرجان "موبي فيست" في مكسيكو سيتي تحت ضغط المقاطعة، كما أُلغيت فعالية في تركيا بعد منع فيلم "كوير" (Queer) للمخرج الإيطالي لوكا غواداغنينو. في البداية، دافع تشاكاريل عن حياد الشركة، لكنه عاد لاحقاً ليقر بأن خسارة المشتركين كانت "مؤلمة"، واصفاً ما يحدث في غزة بـ"كارثة إنسانية"، مع وعود بوضع سياسة أخلاقية للاستثمار. كما نأى بنفسه عن مواقف شون ماغواير. ولحل الانقسام الداخلي، عرضت الشركة استقالات طوعية مع راتب ثلاثة أشهر، غادر بموجبها 12 موظفاً، تزامناً مع تسريحات أخرى وضغوط مالية، ولا سيما بعد تسجيل تدفق نقدي سلبي بلغ 65 مليون دولار في الربع الأخير من 2025. رغم ذلك، بدأت "موبي" استعادة توازنها مطلع 2026، إذ ارتفع عدد المشتركين إلى 1.7 مليون بنهاية الربع الأول، مدفوعاً بنجاحها في توزيع أربعة من خمسة أفلام مرشحة لنيل "أوسكار" أفضل فيلم دولي. كما تستعد الشركة للمشاركة بستة أفلام في مهرجان كان السينمائي المقبل والتوسع في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية