عربي
إذا كان ابن خلدون قد علّمنا شيئاً أساسياً في فهم الدول، فهو أنّ سقوطها لا يبدأ من لحظة هزيمتها العسكرية، بل قبل هذا بكثير، حين تبدأ أدوات القوّة فيها بالتحوّل من وسائل لحماية الكيان إلى بدائل عن السياسة، وحين تصبح الغلبة غطاءً لعجز أعمق لا يريد النظام أن يراه. بهذا المعنى، لا تبدو نظريته مجرّد أثر من زمن قديم، بل أداة شديدة الفائدة لقراءة إسرائيل بعد "7 أكتوبر" (2023). لا لأنّ التاريخ يعيد نفسه حرفيّاً، بل لأنّ منطق الدول مهما تغيّرت أدواته يظلّ خاضعاً للتوتّر نفسه بين القوّة والشرعية، وبين البطش والاستقرار، وبين التمدّد والقدرة على البقاء.
يكشف ما جرى بعد هجوم 7 أكتوبر هذا التوتر بوضوح. فالحدث الذي كان يُفترض أن يفرض مراجعةً قاسيةً للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، تحوّل عملياً إلى ذريعة لتوسيعها. لم تتصرّف إسرائيل بوصفها دولةً تلقّت صدمةً تدعوها إلى مساءلة مفاهيمها، بل دولةً اعتبرت أنّ الإخفاق نفسه يبرّر رفع الجرعة من الأدوات التي فشلت. بدل أن تسأل: ماذا انكشف في بنية الأمن لدينا؟ ذهبت إلى سؤال آخر أكثر انسجاماً مع عقيدتها العسكرية: أين نضرب الآن؟ وكيف نوسّع مجال الضرب؟
هنا تحديداً تبدأ الفكرة الخلدونية في العمل، لأنّ ابن خلدون لا يتحدّث فقط عن ضعفٍ يأتي من الخارج، بل عن وهن يتسرّب إلى الدولة من داخل تضخّمها نفسه. الدولة لا تتآكل فقط حين تصبح أقلّ قدرةً على القتال، بل أيضاً حين تفقد التناسب بين ما تملكه من وسائل القهر وبين ما تستطيع إنتاجه من نظام سياسي قابل للحياة. وإسرائيل بعد "7 أكتوبر" تبدو كأنّها اختارت أن تعالج مأزقها بهذه الطريقة تحديداً: المزيد من القوّة، المزيد من الأحزمة العازلة، المزيد من الضربات الاستباقية، المزيد من الحرب الطويلة، المزيد من إعادة تعريف الأمن، فلا يعود حمايةً لحدود قائمة، بل حقٌّ مفتوحٌ في إعادة تشكيل الإقليم كلّه بالنار.
دولة شديدة التسليح، شديدة التحصين، متفوّقة استخبارياً، لكنّها أكثر اعتماداً على الحرب من أيّ وقت مضى
في الظاهر، يبدو هذا المسار علامة تفوّق، والدولة الإسرائيلية، من حيث القدرة العسكرية والتكنولوجية، ليست عاجزةً بالتأكيد. لكنّها في العمق تكشف شيئاً آخر: أنّ القوّة حين تُستخدم لتغطية فشل سياسي تتوقّف عن أن تكون علامة عافية، وتتحوّل إلى عرَض من أعراض المرض نفسه. الدولة الواثقة بقدرتها على الاستقرار لا تحتاج إلى هذا القدر من التوسيع المستمرّ في تعريف الخطر، ولا إلى هذا الإصرار على أنّ كلّ مأزق يمكن حلّه بتحويله إلى ملفّ عسكري. وحدها الدولة التي لم تعد تثق بأنّ السياسة قادرةً على إنقاذها تميل إلى التعامل مع الحرب بوصفها البيئة الطبيعية الوحيدة التي تستطيع أن تتنفّس داخلها.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى التحوّل الإسرائيلي بعد "7 أكتوبر" على أنه مجرّد ردّة فعل على هجوم كبير، بل على أنّه إعادة صياغة أعمق لمعنى الأمن نفسه. إسرائيل التي قامت عقيدتها التقليدية على الردع والإنذار والحسم السريع تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى نموذج مختلف: حرب أطول، وجبهات أوسع، وحدود أكثر سيولة، وفي النتيجة نزوع متزايد إلى تحويل الأمن من هدف سياسي محدود إلى مبرّر مفتوح للتوسّع. وعندما يصل الأمن إلى هذه المرحلة يتوقّف عن أن يكون سياسة دفاع، ويصبح بنية حكم، بل يصبح، في أحيان كثيرة، اسماً آخر لعجز الدولة عن تخيّل نفسها خارج منطق الطوارئ.
القوّة حين تُستخدم لتغطية فشل سياسي تتوقّف عن أن تكون علامة عافية، وتتحوّل إلى عرَض من أعراض المرض نفسه
لا تبدو الحرب أخيراً مع إيران منفصلةً عن هذا السياق، بل امتداداً طبيعياً له. فهي تكشف أنّ العقيدة الأمنية الجديدة لا تكتفي بإدارة الخطر من قريب، بل تريد ملاحقته حيث يتشكّل، وتوسيع مسرح العمليات كلّما تعذّر الوصول إلى حلّ سياسي. بهذا المعنى لا تكون الحرب تعبيراً عن الثقة بقدر ما تكون تعبيراً عن قلق متضخّم، وعن دولة لم تعد ترى في توسيع الجغرافيا العسكرية خطراً على نفسها، بل شرطاً من شروط بقائها. غير أنّ المفارقة هنا واضحة: كلما اتّسعت الحرب عادت، في النهاية، إلى الشيء الذي حاولت تجاوزه، أي السياسة. فالقصف قد يدمّر ويردع ويؤجّل، لكنّه لا يستطيع وحده أن ينتج استقراراً. ولعلّ هذا هو التناقض الأكثر فجاجة في الحالة الإسرائيلية الراهنة: دولة تملك قدرة هائلة على فرض الوقائع بالقوة، لكنّها لا تملك، في المقابل، أفقاً سياسياً يحرّرها من الاعتماد الدائم على هذه القوة نفسها.
هنا تدخل التكنولوجيا لا بوصفها نقيضاً للفكرة الخلدونية، بل بوصفها تحديثاً لها. فمن السهل القول إنّ العالم تغيّر، وإنّ الدول الحديثة ليست الدول التي عرّفها ابن خلدون، وإنّ المراقبة والذكاء الاصطناعي والقدرات الاستخبارية والدفاعات المعقّدة قادرة على كسر منطق السقوط القديم. لكنّ هذه القراءة سطحية. فالتكنولوجيا قد تؤخّر الانكشاف، نعم، وقد تمنح الدولة قدرةً أكبر على إدارة العنف والرقابة والردّ، لكنّها لا تزيل التناقضات التي تعمل في العمق، بل قد تفعل العكس تماماً: تمنح الدولة ثقةً زائدةً بأنّ ما يمكن مراقبته يمكن حكمه، وأنّ ما يمكن حصاره يمكن إخضاعه، وأنّ ما يمكن استهدافه يمكن إنهاؤه. وفي هذه اللحظة تحديداً تصبح التكنولوجيا أداة تضخيم للوهم لا أداة خلاص منه.
هذا ما يجعل "7 أكتوبر" حدثاً أكثر عمقاً من مجرّد فشل أمني، فهو كشف أنّ التفوق التقني لا يضمن الفهم، وأنّ كثافة المراقبة لا تساوي بالضرورة قدرة على التقدير، وأنّ الجدار العازل الذكي، مهما ارتفعت كلفته، لا يلغي التاريخ ولا السياسة ولا إرادة الخصم. والدولة التي تبني عقيدتها على وهم السيطرة الكاملة قد تنجح لفترة في تأجيل لحظة التعرّي، لكنّها حين تصل إليها تكون قد راكمت من أدوات التأجيل ما يجعل الأزمة أكبر، والانكشاف أشدّ وضوحاً، والخروج منه أكثر كلفة.
إسرائيل اليوم في ذروة قدرتها على التدمير، لكنّها لم تثبت أنّ بإمكانها تحويل هذه القدرة إلى حياة قابلة للاستمرار
بهذا المعنى لا تلغي التكنولوجيا نظرية ابن خلدون في تآكل الدول، بل تغيّر شكلها الزمني فقط. لم يعد التآكل بالضرورة انهياراً سريعاً أو مشهداً نهائياً واحداً، بل قد يصبح، في العصر الحديث، عملية أبطأ وأكثر تركيباً: دولة شديدة التسليح، شديدة التحصين، متفوّقة استخبارياً، لكنّها أكثر اعتماداً على الحرب من أيّ وقت مضى، وأقلّ قدرةً على تحويل إنجازاتها العسكرية إلى نظام مستقرّ. دولة تستطيع أن تؤجّل الأزمة طويلاً، لكنّها لا تستطيع أن تحلّها، فتعيش داخل استنزاف ممتد وتسمّي هذا الاستنزاف أمناً.
لهذا لا يبدو السؤال الجدّي اليوم ما إذا كانت إسرائيل قويةً أو ضعيفةً، فهذا سؤال تبسيطي. السؤال الحقيقي: ماذا تفعل هذه القوة بها؟ هل تمنحها قدرة على تجاوز مأزقها، أم تجعلها أكثر التصاقاً به؟ هل تفتح لها أفقاً سياسياً، أم تدفعها إلى تحويل الحرب إلى أسلوب وجود؟ لأنّ الدولة التي لا تستطيع أن تتخيّل نفسها إلا من خلال الردّ والضرب والتوسّع والتأجيل قد تنجح في البقاء طويلاً، لكنّها، في المقابل، تضع نفسها داخل بنية تآكل لا تتوقّف، ليس لأنّها عاجزة عن القتل، بل لأنّها عاجزة عن تحويل القتل إلى مستقبل.
وهنا فقط تبدو الفكرة الخلدونية، على قِدمها، شديدة الحداثة، فالدول لا تسقط لأنّ أعداءها أقوى منها فحسب، بل لأنّها تبلغ أحياناً، من فرط الاعتماد على أدوات القوّة، درجةً تجعل هذه الأدوات نفسها تحمل ضعفها في داخلها. وهذا ربّما هو الوصف الأصدق لإسرائيل اليوم: دولة في ذروة قدرتها على التدمير، لكنّها لم تثبت بعد أنّ بإمكانها تحويل هذه القدرة إلى حياة قابلة للاستمرار. وعند هذه النقطة تحديداً تستعيد العبارة القديمة لابن حيّان القرطبي، التي أطلقها في وصف الدولة العامرية في الأندلس التي دامت ثلاثين عاماً، معناها الكامل: عصرُ القوّةِ التي تحملُ الضعف، والانتصارُ الذي ينطوي على الهزيمة.
