عربي
يفضح الخوف الاقتصادي البريطاني من تداعيات الحرب في المنطقة ما تخفيه التصريحات السياسية المنمقة أحياناً. فبعيداً عن المواقف المعلنة من التدخل العسكري مع أميركا في الحرب على إيران، والتي حرصت في معظمها على تجنب استفزاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو دفعه إلى إجراءات عقابية ضد لندن، أثارت توقعات صندوق النقد الدولي بأن بريطانيا ستكون أكثر الاقتصادات الكبرى تضرراً من الحرب غضباً حاولت الحكومة البريطانية كتمانه على مدى الأسابيع الماضية، وهو ما جدد بدوره تصريحات ترامب الغاضبة، ملوحاً في أحدثها بإلغاء الاتفاق الاقتصادي الذي وقعه مع بريطانيا.
وكان التراشق الإعلامي بين وزيرة الخزانة البريطانية راتشيل ريفز ونظيرها الأميركي كريس بيسنت لافتاً للأنظار ويتسم بالعلنية للمرة الأولى. فالمؤسسة البريطانية عادة أقل شجاعة من أن تتهم ترامب مباشرة بأنه قاد العالم إلى هاوية اقتصادية بحربه مع إسرائيل على إيران، وأنه هو من أفسد طموحات النمو الاقتصادي لدول كثيرة، غنية وفقيرة، في مقدمتها بريطانيا، ومن ثم يتعين عليه وعلى إدارته أن يصلحوا ما أفسدوا. غير أن هذا المعنى بالتقريب هو ما قالته ريفز من قلب العاصمة واشنطن أمس في مقابلة مع صحيفة "ذا ميرور"، عندما أصبحت توقعات النمو البريطاني المخيبة للآمال ملء السمع والبصر.
تعليقات ريفز عن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران كانت محل اهتمام ونقاش متواصلين في الإعلام البريطاني أمس واليوم، كذلك فإنها كانت تعبيراً عما يشعر به غالبية البريطانيين تجاه الحرب، وحتى في أروقة داونينغ ستريت، إذ قالت إنها تشعر بالإحباط والغضب، وإن ذلك لا يعني أنها تؤيّد النظام الإيراني، لكن "هذه حرب لم نبدأها. إنها حرب لم نرغب بها. أشعر بإحباط وغضب شديدين، لأن الولايات المتحدة دخلت هذه الحرب دون خطة خروج واضحة، ودون فكرة واضحة عما كانت تحاول تحقيقه". لذا أدت الحرب، حسب تصريحات ريفز، إلى إغلاق مضيق هرمز، وأدت إلى أزمة الطاقة التي يدفع ثمنها العائلات البريطانية ودول كثيرة حول العالم.
ما يثير حفيظة ريفز وكثير من الاقتصاديين البريطانيين، هو ما حاق ببرنامجهم الاقتصادي من خراب نتيجة لما سمته وزير الخزانة "حماقة" ترامب. فقبل الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، بدا وكأن حكومة العمال في طريقها لإنجاز بعض وعودها الاقتصادية بعد حوالى عام في الحكم. كان التضخم في طريقه الهبوطي ليقابل مستهدف بنك إنكلترا (المركزي البريطاني) عند مستوى 2%، كذلك كان البنك المركزي يعتزم مواصلة سياسته في التيسير النقدي بخفض أسعار الفائدة، لينعكس ذلك على إقراض متوافر للشركات والاستثمار بأسعار معقولة وتخفيض عن عاتق الأسر في مدفوعات الرهن العقاري. ثم انقلب كل ذلك رأساً على عقب.
وجاء رد بيسنت ليؤكد أن الإدارة الأميركية لا تزال أسيرة لرؤيتها ودورها في تحجيم ما تصفه بـ"الخطر النووي الإيراني" دون الاكتراث بمصالح حلفائها الاقتصادية والسياسية، بل إلى درجة مطالبة العالم بأن يتحمل الثمن. وقال وزير الخزانة الأميركي، في تصريحات لـ"بي بي سي"، إن "قدراً بسيطاً من الألم الاقتصادي" كان ضرورياً لإزالة احتمال وقوع هجمات نووية إيرانية على مدن غربية، مضيفاً: "أتساءل كيف سيؤثر توجيه سلاح نووي إلى لندن بالناتج المحلي الإجمالي العالمي. ما أقوله هو أنني أقل قلقاً بشأن التوقعات قصيرة الأجل مقارنة بالأمن على المدى الطويل". واعتبر بيسنت أن "أهمية الأمن على المستوى الطويل تفوق في أهميتها مخاوف الركود" التي يعبّر عنها صندوق النقد الدولي.
غير أن بريطانيا وريفز وكل أوروبا تكترث اليوم وغداً بواقعها الاقتصادي في ظل أزمة الطاقة التي تخنق العالم، فالثابت لديها أن إدارة ترامب لم يكن لها أهداف محددة من الحرب، وأن إيران حين ردت لم تهاجم بصواريخها العواصم الأوروبية، بل جيرانها في المنطقة ومنابع الطاقة. وحسب توقعات صندوق النقد الدولي التي أُعلنت أمس سيكون الاقتصاد البريطاني فيما تبقى من عام 2026 هو الأكثر تضرراً من الحرب بين اقتصاديات الدول السبع الكبرى، حتى النمو المتواضع الذي اشتاق إليه البريطانيون طويلاً منذ جائحة كوفيد وحرب أوكرانيا أصبح سراباً. لن تحقق بريطانيا، حسب الصندوق الذي هو مرجعية مهمة للجدارة الائتمانية حتى للأغنياء، ما كانت تصبو إليه من معدل النمو الذي كان من المفترض أن يكون 1.3% في 2026، إذ سينخفض بنسبة نصف نقطة مئوية ليصل إلى 0.8% على أفضل التوقعات. أما التضخم الذي كان في طريقه لأن يلامس 2%، فمن المتوقع أن ينفلت من عقاله ليسجل 4% في العام الحالي، وربما بدأ في التراجع قبل نهاية العام المقبل.
عالمان مختلفان
وقد سعت حكومة العمال منذ بدء الحرب لإيصال رسالة سياسية مفادها أنها لن تمنح الولايات المتحدة حق استخدام قواعدها في العمليات الهجومية على إيران، ولن تنشر أي قوات لها لدعم العمل العسكري الأميركي. ورغم أن لندن لم تكن وحيدة في هذا الموقف على المستوى الأوروبي، لكنها استدعت غضب ترامب وتوبيخه العلني لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي اعتبره أقرب إلى "نيفيل تشمبرلين لا ونستون تشرشل". ومعروف أن تشمبرلين متهم باسترضاء الزعيم النازي أدولف هتلر، بينما تشرشل هو من قاد الحرب العالمية الثانية على ألمانيا النازية.
من المنظور البريطاني، مثلت الحرب على إيران خطوة أخرى من جانب ترامب تدفع لندن إلى مزيد من التقارب مع جيرانها الأوروبيين وتنأى بها عن "علاقتها التاريخية" مع أميركا، فتقلبات ترامب تجاه حلفائه أصبحت هاجساً لدى بريطانيا رغم استرضائه بزيارة دولة للمرة الثانية والامتناع عن استفزازه أو الرد عليه علناً. وقد جاءت آخر تهديدات الرئيس الأميركي أمس، عندما لوّح بإلغاء الاتفاق التجاري الذي وقعته الولايات المتحدة وبريطانيا العام الماضي، وحمّل بريطانيا مسؤولية ما تواجهه من أزمة الطاقة بسبب سياساتها الخضراء.
وقال الرئيس الأميركي إن الاتفاق الاقتصادي المبرم مع بريطانيا، والذي خفّض بعض تعريفاته الجمركية على السيارات والألمنيوم والصلب، كان "أفضل مما كان ينبغي أن أقدمه"، مضيفاً أنه "يمكن دائماً تغييره". وقال ترامب لشبكة "سكاي نيوز" إن ما يسمى بالعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تمر بـ"حالة مؤسفة"، واتهم بريطانيا مجدداً بأنها "لم تكن موجودة عندما احتجنا إليها" خلال الحرب مع إيران.
على المحك الآن، الزيارة المقبلة للملك تشارلز الثالث للولايات المتحدة بين 27 إلى 30 إبريل الجاري. فحتى قبل تصريحات ترامب الأخيرة كانت تثور هواجس بشأن أسباب الزيارة، التي من المفترض أنها تأتي بناءً على توصية من الحكومة، إذا كانت الحكومة نفسها في هذا المأزق مع ترامب، فالمخاوف قائمة من أن تصيب هيبة العرش البريطاني بعض الرذاذ الترامبي، وهو ما قد يكون المسمار الأخير في نعش "العلاقة الخاصة" التي يرى كثيرون أنها لم تعد قائمة أصلاً.

أخبار ذات صلة.
كيف ينقذك مدير كلمات المرور من القرصنة؟
العربي الجديد
منذ 16 دقيقة