عربي
أثارت عودة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي عبد الإله بنكيران لتوظيف مفهوم "التحكّم"، خلال اجتماع خاص بإعداد البرنامج الانتخابي لحزبه، نهاية الأسبوع الماضي، نقاشًا واسعًا، خاصة مع اعترافه بإيجابيته بعد أن كان له الفضل في التخلّص من غريمه السياسي عزيز أخنوش.
وبينما دأب بنكيران على مهاجمة "التحكّم" في خطاباته وتصريحاته باعتباره خطرًا يهدّد المغرب واستقراره، بدا لافتًا، هذه المرة، تأكيده، خلال الكلمة التي ألقاها في اجتماع اللجنة المركزية لإعداد البرنامج الانتخابي لحزبه أول من أمس الأحد، أن ظاهرة "التحكّم" في مفاصل الدولة والحياة السياسية "ليست سلبية في مجملها"، وأنها واقع موجود في الدولة ويمتد ليشمل مجالات الاقتصاد والقضاء وغيرها.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ لم يتوانَ رئيس الحكومة السابق عن الإشادة بـ"التحكّم" بالقول إنه قد تترتّب عليه نتائج إيجابية أحيانًا، وأنه هو الذي كان وراء إزاحة عزيز أخنوش عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار في وقت سابق، مشدّدًا على أن هذا التحكّم لا يمكن اعتباره شرًا محضًا، بل يتضمّن بعض الأبعاد التي قد تُفهم بشكل مختلف حسب السياق.
وبينما كان مصطلح "التحكّم" من بين أكثر المصطلحات رواجًا في خطابات الحزب الإسلامي، خاصة أمينه العام، في إشارة منه إلى ما يُوصف بـ"الدولة العميقة"، تحمل تصريحات بنكيران الأخيرة دلالات عدة، خاصة أنها تأتي في سياق يطغى عليه الاستعداد المبكر للانتخابات التشريعية المنتظرة في 23 سبتمبر/أيلول المقبل، وتنامي النقاش حول طبيعة التوازنات داخل النسق السياسي المغربي.
وفي هذا السياق، اعتبر عضو المجلس الوطني لـ"العدالة والتنمية" حسن حمورو أن عودة بنكيران للحديث عن التحكّم لا يمكن اختزالها في مجرد استعادة لمصطلح سياسي قديم، بل تعكس دينامية مركّبة يتداخل فيها البعد التاريخي للحزب مع رهانات المرحلة السياسية الراهنة.
وقال حمورو، لـ"العربي الجديد"، إن مفهوم "التحكّم" ارتبط تاريخيًا بسياق فبراير/شباط 2011، حيث سعى الحزب إلى تأطير الصراع السياسي باعتباره مواجهة بين إرادة الإصلاح وقوى محافظة، مبرزًا أن هذا الطرح بلغ ذروته خلال مرحلة ما سُمّي "البلوكاج الحكومي" التي أعقبت انتخابات 2016، عندما تم الحديث عن تدخلات غير مُعلنة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية خارج منطق صناديق الاقتراع.
واعتبر أن إعادة إحياء خطاب "التحكّم" اليوم تحمل أكثر من دلالة، من بينها البعد الانتخابي، إذ يسعى الحزب إلى إعادة تعبئة قواعده واسترجاع جزء من رصيده السياسي بعد تراجعه في انتخابات 2021، من خلال بناء خطاب يعيد تشكيل ثنائية "نحن" و"هم" ويعزّز منسوب التعبئة الداخلية.
ووفق حمورو، تعكس إثارة مفهوم "التحكّم" أيضًا محاولة لإعادة تأطير النقاش العمومي حول طبيعة النسق السياسي المغربي، وطرح سؤال التوتر القائم بين المؤسسات المنتخبة ومراكز النفوذ غير المنتخبة، مؤكدًا أن هذا التوتر يظل حاضرًا بأشكال مختلفة في الخطاب السياسي. غير أن عضو المجلس الوطني للحزب حذّر من أن الاستعمال المكثّف لمفهوم التحكّم قد يفقده دقّته التحليلية، ويحوّله إلى مجرد شعار تعبوي، متسائلًا عمّا إذا كان الأمر يتعلق بوجود جهة محددة تتحكّم في الحياة السياسية، أم بشبكة معقّدة من المصالح والتوازنات التي تنتج نوعًا من الضبط غير المُعلن للمجال السياسي.
وأوضح أن النسق السياسي المغربي يشتغل وفق توازنات دقيقة تجمع بين المؤسسات الرسمية والأحزاب والإدارة ومراكز النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعل من الصعب اختزاله في مفهوم واحد أو تفسيره بمنطق الفاعل الوحيد، وأكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة إنتاج مفهوم "التحكّم"، بل في تجديد أدوات التحليل السياسي بما يسمح بفهم التحوّلات العميقة التي يعرفها المجتمع، مضيفًا أن السؤال المطروح اليوم ليس فقط عما إذا كان التحكّم حقيقة قائمة، بل عما إذا كان هذا المفهوم ما زال قادرًا على تفسير تعقيدات المشهد السياسي، أم أنه أصبح جزءًا من خطاب تعبوي أكثر منه أداة تحليل دقيقة.
في المقابل، اعتبر رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية في المغرب رشيد لزرق أن بنكيران استحضر مفهوم "التحكّم" ليس باعتباره مجرد توصيف سياسي ظرفي، بل بوصفه أداة رمزية لإنتاج المعنى داخل الحقل السياسي، موضحًا أن الأحزاب لا تتحرك فقط عبر البرامج والوعود، وإنما أيضًا عبر بناء مفاهيم قادرة على تفسير الواقع وتوجيه إدراك الأنصار له. وقال لزرق إنه في هذا السياق، يتحوّل "التحكّم" إلى إطار ذهني يختزل تعقيد النسق السياسي في صورة قوة مهيمنة تعطّل التنافس العادي، وهو ما يسمح للحزب بإعادة تقديم نفسه باعتباره فاعلًا إصلاحيًا يشتغل داخل شروط غير متكافئة.
من جهة أخرى، رأى المتحدث ذاته أن هذا الخطاب يؤدي على مستوى السوسيولوجيا الحزبية وظيفة مركزية تتمثل في إعادة إنتاج الهوية الجماعية للحزب، موضحًا أنه عندما يمر التنظيم بمرحلة تراجع انتخابي أو فتور تعبوي، يصبح من الضروري إعادة شدّ الروابط الداخلية عبر خطاب يوفّر تفسيرًا جماعيًا للأزمة.
وأضاف متحدثًا لـ"العربي الجديد": "هنا لا يعود مفهوم (التحكّم) مجرد أداة هجومية ضد الخصوم، بل يصبح موردًا رمزيًا يحافظ على تماسك القاعدة ويمنح المناضلين شعورًا بأن الحزب لا يزال يؤدي دورًا سياسيًا وأخلاقيًا يتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة. وبهذا المعنى، يتم تحويل التراجع من مشكلة داخلية إلى نتيجة لبنية سياسية أوسع".
وأوضح أنه من زاوية الشرعية السياسية، يُستعمل مفهوم "التحكّم" لإعادة توزيع المواقع داخل المجال العمومي بين طرف يُقدَّم باعتباره ممثلًا للإرادة الشعبية وطرف آخر يُنظر إليه باعتباره معيقًا أو متحكّمًا في مسارها، مشيرًا إلى أنه "هنا يصبح الخطاب وسيلة لإعادة بناء الشرعية الأخلاقية للحزب، لأن الصراع لا يُصاغ فقط حول البرامج أو الإنجازات، بل حول من يملك الحق الرمزي في تمثيل الإصلاح والنزاهة والوفاء للاختيار الشعبي. لذلك، فإن استدعاء "التحكّم" خلال مرحلة إعداد البرنامج الانتخابي يحمل دلالة واضحة، مفادها أن العدالة والتنمية يريد أن يربط المعركة المقبلة ليس فقط بالمقترحات، بل أيضًا بالصراع على تعريف السياسة وحدودها ومراكز التأثير فيها.
ومن الناحية الانتخابية، أكد لزرق أن هذا الخطاب يكشف نزوعًا إلى تحويل المنافسة المقبلة من تنافس تقني بين مشاريع حزبية إلى استقطاب رمزي بين الإصلاح والعراقيل البنيوية، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب يمنح العدالة والتنمية قدرة مزدوجة: تعبئة الأنصار عبر استحضار خصم واضح، وتهيئة تفسير استباقي لأي صعوبات أو نتائج محدودة قد تواجهه لاحقًا.
ورأى أن عودة بنكيران إلى مفهوم "التحكّم" لا تبدو مجرد حنين إلى خطاب سابق، بل تندرج ضمن استراتيجية واعية لإعادة بناء الموقع الرمزي للحزب، واسترجاع قدرته على تعبئة جمهور لا يكتفي بالبرنامج الانتخابي، بل يبحث أيضًا عن سردية سياسية تمنح مشاركته معنى وصراعًا وموقعًا داخل المشهد العام.
