عربي
ليست الوقاحة التي تحدّث بها دونالد ترامب عن بابا الفاتيكان لوثة طارئة انتابت ذلك الذي يجلس في البيت الأبيض فوق عرشٍ بُني من أوهام العظمة والنبوغ، فكلّ المُقدّمات المنطقية كانت تؤكّد أنّ لحظة صدامٍ سوف تأتي بين بطريرك الإبادة الجماعية وبابا الفاتيكان، ليس لأنّ الأخير أميركي الجنسية وبالتالي يراه ترامب مواطنًا ينبغي خضوعه له، وإنّما لسببٍ آخر جوهري، أخلاقي وإنساني.
بابا الفاتيكان صاحب سلطة روحية أخلاقية، بينما ترامب هو النقيض الكامل للمبدأ الأخلاقي والقيمة الإنسانية، ومن ثم فالصدام واقعٌ لا محالة، انطلاقًا من أنّ الرئيس الأميركي المُعبّأ بأوهامه الرعوية للعالم لا يتحمّل أو يسمح لأحد أن يعارض جنونه الإجرامي، حتى لو كان بابا الفاتيكان نفسه، فما بالك والأخير نطق بما أغضب ترامب ونتنياهو في موضوع غزّة، ثم في عملية القرصنة على فنزويلا، وأخيرًا في أزمة العدوان على إيران.
بذاءة ترامب في تناول البابا بلغت حدّ أنّه "ضعيف في التعامل مع الجريمة"، و"كارثي في السياسة الخارجية"، قبل أن يحّدد بطريرك الإدارة الأميركية شروط بابا الفاتيكان الجيّد ومواصقاته بالقول "لا أريد بابا يرى أنّ امتلاك إيران لسلاح نووي أمر مقبول.. لا أريد بابا يرى أن من الفظيع أنّ الولايات المتحدة هاجمت فنزويلا".
وبما أنّ ترامب يرى البابا غير مُطابق لمواصفاته، قرّر عدم الاكتفاء برؤية نفسه الأجدر بمنصب البابا، والذهاب مباشرة إلى انتحال شخصية المسيح نفسه، لينشر على منصّته الخاصة "تروث سوشال" صورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها في هيئة شبيهة بالمسيح، إذ يُشفي المرضى، قبل أن يعود ويحذفها بعد انتقاداتٍ من رجال دين وسخرية المُتابعين.
قبل ذلك، وفي واحدةٍ من لحظات البارانويا الفاقعة عقب وفاة بابا الفاتيكان السابق فرنسيس، فاجأ دونالد ترامب الجميع بصفاقته ورغبته في اقتناص الفرصة، ليقول "أريد أن أصبح البابا". قالها بمزيج من الاستعباط والجد، فاعتُبرت نكتة سخيفة من شخص مغرور بفوزه على العجوز جو بايدن، لكنها بقيت تعبث في أفكاره، حتى وصلنا إلى لحظة الغضب السفيه الموجّه من بابا واشنطن المهرّج إلى بابا الفاتيكان، لأنّ الأخير عبّر عن إدانته أفكاراً شيطانية تسكن عقل ترامب، مثل فكرة محو حضارة إيران من الوجود وإلقاء إيران الشعب والدولة في الجحيم، فكيف يراجع أحدٌ مهما كانت مكانته الروحية هذا المُنتفخ بالعظمة والجبروت، فما بالك بمن ينتقده مباشرة، وهو المُختار والمكلّف من السماء كما وصف نفسه في فترته الرئاسية الأولى، حين قرّر إصدار فرمان تهويد القدس ومحاربة الصين تجارياً، وقال "أحدٌ ما كان عليه أن يقوم بهذه المهام"، ثم نظر إلى السماء، وفتح ذراعيه، وصاح "أنا هو هذا المختار".
منذ بداية رئاسته الثانية، وترامب أكثر شراسة مدفوعًا بهلاوس أنّه المختار من السماء، ليرأس العالم كلّه مُستبيحاً كلّ ما على الأرض من ثرواتٍ ودول، وحده المخوّل بإعادة ترتيبه وتقسيمه جغرافيّاً وسكانيّاً، بقوّة السلاح والكهنوت، ولمَ لا وهو معيار كلّ شيء، آراؤه نصوصٌ مقدّسة، وانحيازاته أحكامٌ قطعيةٌ لا تُردّ.
هذا الجنون يسخر منه العالم كلّه، بينما يبجّله ويجلّه الرسميون العرب، والحواريون الدائرون في أفلاكهم، إلى الحدّ الذي قرّر معه أهل السلطة في لبنان اللجوء إليه لكي يمنح لبنان سلاماً إسرائيليّاً وحقوق رعاية إنسانية وسياسية!

أخبار ذات صلة.
السويسري شيرر حكماً لموقعة سان جيرمان وبايرن
الشرق الأوسط
منذ 10 دقائق