حدود الدبلوماسية الأوروبية في الحرب على إيران
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
نأت الحكومات الأوروبية بأنفسها عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلا أن دور الدبلوماسية الأوروبية يزداد أهمية، لا سيما ما بعد الحرب. القاسم المشترك بين هذه الحكومات أنها حجبت الدعم عن هذه الحرب، حيث تواصل غالبية دول أوروبا العمل بمبدأ أن الحرب ليست حربها. وتتراوح درجة التزامها بذلك من بلد إلى آخر، فيما تبدو جميعها معنية بلعب دور دبلوماسي على المديَين القريب والمتوسط، تبعاً لعلاقاتها ومصالحها مع الولايات المتحدة وإيران ومنطقة الخليج. وإذ تدرك أوروبا أنها، في المدى المنظور، غير قادرة أن تحول دون العودة إلى الحرب، إلا أنه يمكنها القيام بثلاثة أدوار حاسمة: التهدئة، الاحتواء، ومنع الانفلات. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان بإمكان دول القارة الحفاظ على وحدة الموقف تحت الضغط، والانخراط في الصراع بشروطها الخاصة، من دون الانجرار وراء الولايات المتحدة وإسرائيل. الموقف الذي اتخذته بلدان أوروبا يرشحها للعب دور دبلوماسي، فهي على صلة بالأطراف كافة المنخرطة في الحرب، وتربطها بها علاقات ومصالح مشتركة واتفاقات أمنية ودفاعية، ولذا يمكن أن تقوم بالوساطة المباشرة، أو غير المباشرة من أجل فتح قنوات مع إيران ونقل رسائل بين الأطراف. هذا دور تقليدي لأوروبا، خصوصاً فرنسا. وفي وسع أوروبا العمل على احتواء التصعيد بممارسة الضغط لمنع العودة للحرب وتوسيعها، عبر تحركات سياسية واتصالات مكثفة، كما يمكنها أن تعود لإحياء المسار النووي، حيث كانت طرفاً رئيسياً في مسار 5+1 التفاوضي الذي بدأ عام 2006 (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين، بالإضافة إلى ألمانيا). وهي تمتلك الإمكانات، ولديها المؤهلات الكافية لطرح تسوية سياسية بديلة للحرب. دور الدبلوماسية الأوروبية حسب تقديرات خبراء أوروبيين، يمكن أن يتركز دور الدبلوماسية الأوروبية في الفترة القريبة، أي الأسابيع المقبلة، على عدة ملفات، بما هي ترتيبات لإدامة وقف إطلاق النار من أجل المسائل العاجلة، ومنها تسيير مضيق هرمز. ووفق ذلك، تحرك رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتنظيم اجتماع دولي لممارسة الضغط لفتح المضيق. وأعلن ماكرون، على منصة إكس أول من أمس الاثنين، أن فرنسا وبريطانيا ستعملان على عقد اجتماع خلال الأيام المقبلة بهدف توحيد الجهود لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، مضيفاً أنه من المتوقع أن يضم الاجتماع الدول التي لديها الاستعداد للإسهام في مهمة سلمية متعددة الجنسيات بهدف استعادة حرية الملاحة في المضيق. أما الدور الأقرب للتنفيذ فهو أن تعمل أوروبا على إبقاء الحرب تحت السيطرة، إذ تقدر أن تشكل الدبلوماسية الأوروبية في هذه المرحلة صمام أمان، في ظل عدم حيازة القدرات التي تجعلها صانع قرار، فيما ينحصر دورها هنا في العمل على تجنب انفجار الموقف مجدداً، عبر تقليل الأخطاء وشراء الوقت، عن طريق تأمين مخارج دبلوماسية، وطرح أفكار لتحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق سلام دائم. وفي غضون كل ذلك، أن تعمل تلك الدول على حماية المصالح الحيوية بمنع تعطيل الملاحة، وتجنب أزمة طاقة، كون أوروبا متضرراً مباشراً. يمكن للدول الأوروبية مواصلة مهمة منع توسيع رقعة الحرب، وإبقاء الصراع بعيداً عن لبنان وسورية، لأن توسع الجبهات يؤدي لفقدان السيطرة كما يمكنها مواصلة مهمة منع توسيع رقعة الحرب، وإبقاء الصراع بعيداً عن لبنان وسورية، لأن توسع الجبهات يؤدي لفقدان السيطرة. ويتطلب ذلك فتح قنوات اتصال عاجلة، وتواصل مباشر أو غير مباشر مع إيران بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لنقل رسائل موثوقة بخطوط حمراء، وتوضيح ما الذي سيؤدي إليه التصعيد الكبير مثل استهداف قواعد غربية، أو الاستمرار بتهديد الملاحة في مضيق هرمز. والذي لا تستطيع فعله أوروبا الآن عليها العمل عليه على المدى البعيد، بهدف التوصل إلى حل دائم، وتأمين ضغط دولي من أجل إجبار إسرائيل أو الولايات المتحدة على التراجع. وفي وسعها أن تتولى مهمة وضع الترتيبات اللاحقة، وعلى الأرجح سيكون حضورها مقبولاً أكثر من الأميركي، لكونها تشكل عامل توازن. ويتمثل الهدف الأوروبي طويل الأمد في الانتقال من دور المراقب المعتمد على القوة العسكرية الأميركية، إلى دور محوري في توفير الأمن والاستقرار وخفض التصعيد في منطقة الخليج، وبالتالي ضمان مصالحه الحيوية في بيئة متقلبة. من بين الأسلحة التي تملكها أوروبا للضغط على الولايات المتحدة، التوقف عن تقديم الدعم اللوجستي الذي قدمته أثناء الحرب، واشتراط أي تعاون بمطالب واضحة لعدم العودة إلى الحرب. وهناك إنجاز مهم حققته يتوجب عليها عدم التفريط فيه، حيث أدت وحدة كلمتها في بلورة موقف رافض من قبل عدد من الدول الأوروبية، لفتح مجالها الجوي أمام العمليات الأميركية، أو السماح باستخدام القواعد الموجودة على أراضيها. كما اتخذ القادة الأوروبيون موقفاً موحداً بشأن مضيق هرمز، رافضين القيام بدور في تأمين الممرات البحرية طالما استمر النزاع. وفي الوقت نفسه، يستعدون للمرحلة التالية بقيادة فرنسا وبريطانيا، حيث تعمل الحكومات الأوروبية على تشكيل تحالف قادر على إعادة فتح المضيق بمجرد انخفاض حدة التوتر. يتيح التخطيط لهذه العملية من دون الولايات المتحدة لأوروبا، تحديد شروط مشاركتها بشكل أوضح. والسؤال المطروح هو ما هي مساحة تحرك الدبلوماسية الأوروبية؟ وهنا تبقى الإجابة رهن موقف أوروبي موحد، تبعاً للمواقف المتفاوتة من الحرب بين من يشارك على نحو دفاعي مثل فرنسا، ورافض كلياً كإسبانيا، والوقوف في الوسط كما هي بريطانيا وألمانيا. ويبدو هنا أن الموقف الشعبي يلعب دوراً أساسياً في تحديد مسار الدبلوماسية العامة، وهذا وارد في حالة بريطانيا، حيث جمعت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، مطلع الشهر الحالي، قرابة 40 دولة في اجتماع افتراضي بشأن مضيق هرمز. ومع ذلك تبدو أدوات الدبلوماسية الأوروبية محدودة لدى الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لأنها من الناحية النظرية بحماية الولايات المتحدة، ولا مصلحة لها في الاصطدام معها حالياً، ولدى أغلبهم نقاشات ثنائية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الكواليس، وهو يعمل جاهدا لتفكيك مواقف هؤلاء الأعضاء وحرمانهم من ورقة الضغط الجماعي. رغم ذلك تبدو الضرورة لتدخل الدبلوماسية الأوروبية ملحة لعدة أسباب، على رأسها عدم الثقة من جانب إيران بالدبلوماسية الأميركية، واختلاف المقاربة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وخصوصاً بشأن قضية مضيق هرمز، حيث قللت واشنطن من احتمال إقدام إيران على تهديد الملاحة واستخدام هذه الورقة، في حين كانت أوروبا تضع ذلك في مقدمة المخاطر المترتبة على الحرب. وهناك مسألة أخرى تتعلق بمصالح أوروبا، التي تدفعها للانخراط بقوة في الأزمة، ويزداد ذلك بسبب التأثيرات السلبية المترتبة على أزمة مضيق هرمز التي أدت لنقص الوقود وارتفاع التكاليف في مختلف القطاعات، من الزراعة إلى الطيران، كما ارتفع التضخم إلى 2.5%، مما أدى لتعديل توقعات النمو نزولاً في جميع أنحاء أوروبا، وقد ترتفع أسعار الفائدة. ويُهدد تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار وتزايد ضغوط الهجرة بتأجيج عدم الاستقرار السياسي في القارة. ومن بين الأسباب الملحّة أيضاً استثمارات أوروبا الكبير في الخليج، وطموحها للحصول على حصة من إعادة الإعمار في إيران والبلدان المتضررة بعد نهاية الحرب. يتطلب منها ذلك أن تكثف العمل من أجل بلورة موقف موحد يساهم بالتخفيف بسرعة من تداعيات الأزمة، والتوصل إلى حلول مستدامة لعدم تكرار الحرب وتأمين الطاقة وحفظ أمن الخليج بما يرضي الأطراف كافة. الثلاثي الأكثر تأثيراً في وسع فرنسا وألمانيا وبريطانيا أن تعمل كل منها منفردة، وهي قادرة على أن تتحرك معاً، وهو الموقف الأقوى. تمثل فرنسا الوسيط الأكثر توازناً، وألمانيا تدعم بريطانيا في الضغط على واشنطن. هذا الثلاثي الأوروبي قد يكون الأكثر تأثيراً، لكن نجاح الوساطة يحتاج تنسيقا أوروبيا أوسع، والفكرة الأهم هي أن الوساطة لا تنجح فقط بمن هو الأقوى، بل بمن هو مقبول من جميع الأطراف، وقادر على المبادرة وترجمة موقفه إلى أفعال ملموسة.  الباب مفتوح أمام أوروبا اليوم أكثر من أي وقت مضى، بعد تعثر واشنطن وتل أبيب في تحقيق أهداف الحرب ويبدو الباب مفتوحاً أمام أوروبا اليوم أكثر من أي وقت مضى، بعد تعثر واشنطن وتل أبيب في تحقيق أهداف الحرب، وإدخال الخليج والشرق الأوسط في أزمة كبيرة ذات انعكاسات إقليمية ودولية، ليس على مستوى أمن الطاقة فقط، بل على مستقبل علاقات الجوار التي أصابتها الحرب بجراح عميقة، تستدعي معالجة من طرف لم ينخرط في النزاع بشكل مباشر. ومن المرجح أن تستفيد الدبلوماسية الأوروبية من إعادة تقييم دول الخليج شراكاتها الأمنية بعد شعورها بالتخلي عنها من قبل الولايات المتحدة، وستعمل على استغلال الفرصة المتاحة. وتركز الدبلوماسية الأوروبية بشكل متزايد على حماية مصالحها الاستراتيجية - أمن الطاقة وحرية الملاحة - مع مساعدة دول الخليج العربية في بناء قدرة إقليمية على الصمود في وجه التهديدات الإيرانية. يتطلب ذلك أمرين مهمين؛ الأول أن يتحول دور الدبلوماسية الأوروبية طويل الأمد في الخليج، من وسيط بين واشنطن وطهران إلى فاعل أمني أكثر مباشرة وعملية. والثاني أن تتجاوز أوروبا انقساماتها الداخلية لتعمل بوصفها فاعلاً موحداً وقوياً، يقدم بديلاً مستداماً للصراع الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران ومراجعة مواقفها وسياساتها تجاه الخليج التي ظهر قصورها وانكشافها خلال هذه الحرب، وعيوب دورها العسكري في الوفاء بالتزاماتها الأمنية وترددها بالمشاركة في مهام قتالية مباشرة لتأمين الممرات الملاحية، مفضلةً بدلاً من ذلك نهجاً حذراً بقيادة دبلوماسية لم تكن مجدية أو فعالة. وقد تحولت إلى مراقب في حين أن لكل دولة أوروبية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، علاقات أمنية وثيقة بالمنطقة، ولم يقم أحد من مسؤوليها بزيارتها، وقد انتظر ستارمر الإعلان عن الهدنة حتى يقوم بذلك، الأسبوع الماضي، الأمر الذي أضعف موقفه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية