عربي
شهدت السعودية في إبريل/ نيسان الجاري سلسلة استهدافات طاولت منشآت طاقة حيوية، أسفرت عن تعليق جزئي لقدرتها الإنتاجية بنحو 600 ألف برميل يومياً، حسب بيانات رسمية.
ورغم هذا التأثر المباشر في الإنتاج، استمرت المؤسسات الدولية في توقعاتها الإيجابية بشأن تحسن الموازنة العامة للمملكة؛ إذ توقع البنك الدولي في تقريره الصادر في 8 إبريل انخفاض العجز من 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 إلى 3% في عام 2026، مما يعكس رؤية معقدة لكيفية تفاعل الاقتصاد مع الصدمات الجيوسياسية.
وانعكس تأثير ذلك على الأسواق الإقليمية والعالمية فورياً في الأيام الأولى للهجمات؛ إذ أظهرت بيانات منصة ICIS المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة، المنشورة في 10 إبريل الجاري، أن الاستهدافات طاولت مرافق تكرير رئيسية ومجمعات بتروكيميائية في السعودية، مما أثر بشكل مباشر في صادرات المنتجات المكررة إلى الأسواق العالمية.
إعادة توجيه الصادرات
على الرغم من هذه الضغوط الحادة على إمدادات الطاقة، أظهرت السعودية قدرة على التعامل مع الأزمة من خلال إعادة توجيه الصادرات والاستفادة من البنية التحتية البديلة. فقد أعلنت وزارة الطاقة السعودية، في بيان صادر يوم 11 إبريل، عن نجاح الجهود التشغيلية والفنية في استعادة كامل طاقة الضخ عبر خط الأنابيب "شرق-غرب" بنحو 7 ملايين برميل يومياً، واستعادة الإنتاج المفقود من حقل منيفة بحوالي 300 ألف برميل يومياً خلال فترة زمنية قصيرة.
وقدمت سرعة استعادة الإنتاج مؤشراً على المرونة التشغيلية والكفاءة في إدارة الأزمات لدى شركة "أرامكو السعودية" والنظام الطاقي بالمملكة، وساهمت في احتواء الأزمة على المستوى العالمي.
كما عززت من الرهان على لعب السعودية دور "القوة المثبتة للأسواق" خلال الفترة التي تشهد اضطرابات شديدة في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز، حسب إفادة خبيرين لـ "العربي الجديد".
فبينما كانت التوقعات المتشائمة تشير إلى احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، ساهم عدم انزلاق الإنتاج السعودي نحو الانهيار في تحديد الأسعار عند متوسط أقل من 100 دولار للبرميل.
ويعود استمرار توقعات البنك الدولي الإيجابية بشأن الموازنة رغم هذه الاضطرابات جزئياً إلى أن الاقتصاد السعودي الحديث لم يعد معتمداً بشكل كامل على متوسط الإنتاج النفطي اليومي، بل على منظومة متكاملة من مصادر الدخل المتنوعة؛ إذ حافظت القطاعات غير النفطية على معدلات نمو إيجابية رغم الضغوط الجيوسياسية، مما يدعم الإيرادات العامة بشكل مستقل عن تقلبات الإنتاج النفطي المباشرة، حسبما أورد تقرير البنك.
إجراء احترازي محدود
في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي، نهاد إسماعيل، لـ "العربي الجديد"، أن التخفيضات السعودية في إنتاج النفط تأتي إجراءً احترازيا محدودا ومؤقتا، وذلك في ظل ظروف أمنية متقلبة ناتجة من حالة التوتر العسكري بين القوى المتحاربة والتهديدات المتبادلة في المنطقة. وتهدف الإجراءات السعودية إلى حماية البنية التحتية الحيوية، خاصة بعد استهداف حقلي الخريص ومنيفة، مما يعكس حذراً سعودياً من التصعيد المحتمل، خاصة بعد انهيار المفاوضات الإيرانية الأميركية في إسلام أباد، حسب إسماعيل.
ورغم هذه الإجراءات الوقائية، يظل خط أنابيب "شرق-غرب" الذي يمتد من الحقول السعودية على الخليج العربي ويربطها بميناء ينبع على البحر الأحمر معرضاً لخطر القصف المباشر، وفق إسماعيل، الذي يشير إلى أن هذا الخط الاستراتيجي يشكل نقطة ضعف محتملة في سلسلة الإمداد، مما يستدعي مراقبة دقيقة للتطورات الأمنية التي قد تؤثر في قدرة المملكة على تصدير نفطها عبر المسارات البديلة.
وينوه إسماعيل إلى أن السعودية تتمتع باحتياطيات مالية ضخمة تمكنها من تحمل إغلاق جزئي لمنشآتها النفطية لفترات قصيرة دون أن ينعكس ذلك بشكل كبير على استقرار اقتصادها الكلي، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن استمرار حالة التوتر والتصعيد العسكري لفترة ممتدة قد يغير هذه المعادلة، حيث يمكن أن تتراكم الآثار السلبية لتؤثر على الإيرادات والنمو الاقتصادي، ما يستلزم تقييماً مستمراً للمخاطر الجيوسياسية وتأثيراتها طويلة الأمد.
تقليص المعروض النفطي
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي مصطفى يوسف، لـ "العربي الجديد"، أن تعليق عمل جزء من منشآت الطاقة السعودية من شأنه أن يؤدي إلى تقليص المعروض النفطي والغازي، مما ينعكس سلباً على أسعار منتجاتها وعلى الإيرادات العامة للمملكة، ومع ذلك فإن تأثير هذا الإجراء على عجز الموازنة يبقى محدوداً نسبياً.
ويوضح يوسف أن نسبة العجز في السعودية ليست كبيرة بما يكفي لإحداث صدمة مالية هيكلية، وهو ما يخفف من حدة التوقعات السلبية بشأن التصنيفات الائتمانية أو تقديرات المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي.
ومن ناحية أخرى، يساهم نقص المعروض في دفع أسعار النفط والغاز للارتفاع، مما قد يؤدي إلى تسارع وتيرة التضخم في الاقتصادات العالمية رغم التباطؤ النسبي المتوقع سابقاً، حسب يوسف، الذي ينوه إلى أن هناك نوعاً من التفاؤل الحذر لدى صناع القرار الاقتصادي العالمي، بمن في ذلك خبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بأن تكون هذه التداعيات مؤقتة ومقتصرة على المدى القصير، بانتظار تغيرات محتملة في السياسات النقدية الأميركية، خاصة مع اقتراب موعد اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي في مايو/ أيار والتي قد تسهم في إعادة الهدوء النسبي للأسواق.
غير أن التصعيد الأخير المتمثل في حصار الموانئ الإيرانية والإغلاق شبه الكلي لمضيق هرمز يقلب هذه التوقعات رأساً على عقب؛ حيث يشكل ضربة شديدة القسوة لاستقرار أسواق الطاقة، حسب يوسف، الذي يؤكد أن هذه الإجراءات ستؤثر سلباً وبشكل عميق ليس فقط على الأسعار العالمية، بل أيضاً على إيرادات الدول المنتجة للنفط والغاز في المنطقة، بما في ذلك دول الخليج وعلى رأسها السعودية، مما يضع اقتصاديات هذه الدول تحت ضغط متزايد في ظل بيئة جيوسياسية شديدة التوتر.

أخبار ذات صلة.
السويسري شيرر حكماً لموقعة سان جيرمان وبايرن
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة