عربي
تسببت تداعيات الحرب الدائرة في السودان منذ ثلاثة أعوام في دمار شبه كامل بالقطاع الصحي، والذي كان يعاني من أزمات واختلالات عميقة تشمل تردي الخدمات ونقص الكوادر والأدوية قبل اندلاع الحرب.
فور اندلاع الحرب السودانية، توقفت معظم مستشفيات العاصمة الخرطوم عن العمل، ووجد معظم الكوادر الطبية أنفسهم داخل دائرة الاستهداف، ما اضطرهم إلى النزوح أو اللجوء، وتعرضت سلاسل الإمداد ومخازن الأدوية والصيدليات العمومية لعمليات تخريب طاولت الأدوية والأجهزة الطبية، كما انقطعت الكهرباء عن الثلاجات والمخازن المُبردة التي تحفظ الأدوية التي تتطلب تبريداً مستمراً، مثل أدوية السكري والعيون والأنسولين ومختلف المحاليل.
وكانت جرائم النهب والسرقة التي تعرضت لها المرافق الطبية أبرز ضربة تلقاها القطاع الصحي، إذ طاولت نحو 440 من شركات الأدوية، وما يزيد عن 20 مصنعاً كانت تغطي نحو ثلث احتياجات البلاد، وفقاً لبيانات وزارة الصحة بولاية الخرطوم.
عندما انتقلت الحرب إلى ولاية الجزيرة المجاورة، قضت على المزيد من المرافق الصحية. ويقول مسؤول حكومي بولاية الجزيرة لـ"العربي الجديد": "منذ اليوم الأول لانتقال القتال إلى الولاية، تعرضت المستشفيات لسرقات شملت سيارات الإسعاف، ومخازن الأدوية، والأجهزة الطبية، وأجبرت الكوادر الطبية على ترك المستشفيات بعد تعرض كثيرين لانتهاكات شملت القتل والاغتصاب والاختطاف، ما تسبب بالتبعية في إغلاق المستشفيات". وأضاف المسؤول الذي فضل حجب هويته: "استخدمت عدد من المستشفيات مقار عسكرية، أو مخازن للأسلحة، ما عرضها للقصف بالطيران، وعندما حرر الجيش ولاية الجزيرة في يناير/ كانون الثاني 2025، كانت المرافق الصحية تحتاج إلى تأهيل شامل بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بها أثناء سيطرة قوات الدعم السريع على الولاية".
وفي يناير الماضي، قالت منظمة الصحة العالمية إنها "تحققت من وقوع 201 هجوم على مرافق الرعاية الصحية منذ بدء الحرب، ونجم عن تلك الهجمات 1858 وفاة"، مضيفة أن استمرار الحرب "دفع النظام الصحي إلى حافة الانهيار"، وأنه "تحت وطأة الأمراض والجوع وعدم إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، يواجه الناس أوضاعاً مدمّرة".
قُتل ما يزيد عن 234 من الكوادر الطبية السودانية، فيما تجاوز عدد الجرحى من بين الكوادر الطبية 507، إضافة إلى أكثر من 59 مفقوداً
وأكد وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم، في يناير الماضي، أن عدد الوفيات التي سُجلت داخل المستشفيات خلال السنوات الثلاث الماضية تجاوز 33 ألف وفاة. ووثقت شبكة أطباء السودان غير الحكومية، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مقتل ما يزيد عن 234 من الكوادر الطبية، فيما تجاوز عدد الجرحى من بين الكوادر الطبية 507 كوادر، إضافة إلى أكثر من 59 مفقوداً، بينما تحتجز قوات الدعم السريع 73 كادراً طبياً في مدينة نيالا.
ونتج عن انهيار القطاع الصحي في ولايات شرق السودان ووسطه، تفش غير مسبوق للأمراض والأوبئة، ما ضاعف معاناة المواطنين الذين كانوا في حالة نزوح مستمر. وبدأ تفشي الكوليرا في أغسطس/آب 2023، في ولاية القضارف الحدودية مع إثيوبيا، وتلت ذلك موجة إصابات أخرى أكثر ضراوة شملت ولايات عدة في نهاية يوليو/تموز 2024، ما اضطر وزارة الصحة الاتحادية إلى إعلان تفشي الوباء في كل ولايات السودان.
وتفشت الكوليرا للمرة الثالثة في مايو/أيار 2025، وشملت ولايتي النيل الأبيض والخرطوم، وتجاوز عدد المصابين 100 ألف مصاب، وسجل من بينهم نحو 7 آلاف قتيل. وفي أغلب الأوقات، كان تفشي الكوليرا يترافق مع تفشي حمى الضنك، إلى جانب الملاريا، وهي مرض مستوطن في السودان.
كان الطبيب محمد السيد يعمل متطوعاً خلال تفشي الكوليرا، ويقول لـ"العربي الجديد": "لم تكن الكوليرا لتتفشى بتلك الصورة لولا التدمير الذي لحق بالقطاع الصحي، وانعدام الأدوية والمحاليل الوريدية التي تعرضت للتلف أو السرقة من المستودعات والمستشفيات. أغلب من لقوا حتفهم كان السبب الرئيس في وفاتهم هو إغلاق المستشفيات وعدم توفر الدواء".
وانهار قطاع الصحة في إقليم دارفور من جراء عمليات القصف بالطيران، فضلاً عن تكرار جرائم النهب والسرقة التي طاولت المرافق الطبية، وتوقفت جميع المستشفيات الحكومية عن العمل بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الإقليم، واضطرار موظفي الحكومة المركزية إلى النزوح أو اللجوء حفاظاً على أنفسهم من الملاحقة. ما أدى إلى تفشي الكثير من الأمراض، وعلى رأسها الكوليرا التي قتلت نحو 700 شخص، بينما تجاوز عدد الإصابات في الإقليم 12 ألف إصابة، من بينها نحو 6 آلاف إصابة في مدينة طويلة بولاية شمال دارفور، والتي تحولت إلى مركز إيواء لنحو 1.5 مليون نازح.
وعزا وزير الصحة في الحكومة التي شكلتها قوات الدعم السريع في دارفور علاء الدين نقد تدمير القطاع الصحي إلى قصف طيران الجيش المرافقَ الطبيةَ في كل مُدن الاقليم. وقال لـ"العربي الجديد": "لم تكتف سلطة الخرطوم بقصف المستشفيات وتدميرها فوق رؤوس المرضى والأطباء، بل منعت أيضاً وصول الأدوية المنقذة للحياة، مثل علاجات السرطان وأمراض الكلى والقلب التي لا يستطيع الناس شراءها من الصيدليات".
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، بعد حصار استمر ثمانية عشر شهراً، وتسبب الحصار والقصف المتبادل بين طرفي الحرب في تدمير جميع مستشفيات المدينة البالغ عددها 12 مستشفى، من بينها خمسة مستشفيات حكومية. ووصف وزير صحة الولاية أثناء حصار الفاشر إبراهيم خاطر ما لحق بالمستشفيات والمراكز الصحية بأنه تدمير متعمد من قبل الدعم السريع. وقال لـ"العربي الجديد": "لم يتوقف القصف اليومي للمستشفيات خلال فترة الحصار، ما جعلها بعد صمود طويل غير صالحة للعمل، ولم يتبق منها سوى المستشفى السعودي الذي اقتحمته الدعم السريع في يوم سيطرتها على المدينة، وقتلت عدداً من المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج فيه، ثم حولته إلى معتقل زجت فيه آلاف المدنيين.
وبعد سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر، انهار القطاع الصحي رسمياً في الولاية، وفقدت المستشفيات كل الأجهزة الطبية وسيارات الإسعاف، ودمرت حضانات الأطفال، ونزح الأطباء والكوادر الصحية". وانعكس انهيار القطاع الصحي على توقف لقاحات الأطفال منذ ثلاثة أعوام، ما ساهم في عودة أمراض تم القضاء عليها قبل سنوات، مثل الحصبة والسعال الديكي، والتي تنتشر للمرة الثانية خلال فترة الحرب، وسجلت مدينة كبكابية في ولاية شمال دارفور، أخيراً، 222 إصابة بالحصبة، من بينها 23 وفاة، مع تسجيل 196 إصابة بالسعال الديكي. وسجلت ولاية جنوب دارفور 3236 إصابة بالحصبة، من بينها 42 وفاة.
في مارس/آذار الماضي، قصفت مسيرة للجيش السوداني مستشفى الضعين في ولاية شرق دارفور، ما أدى إلى وفاة 70 مدنياً، من بينهم 13 طفلاً، وإصابة العشرات. وقالت "غرفة الطوارىء" بالمدينة، في 13 إبريل الجاري، إن الحصبة والسعال الديكي منتشران وسط الأطفال بصورة مخيفة، ما يعكس تدهوراً متسارعاً في الأوضاع الصحية بالمنطقة التي تفتقر إلى الكوادر الطبية واللقاحات والأدوية المنقذة للحياة.
وتأثرت مستشفيات إقليم كردفان الذي تتوزع السيطرة عليه بين الجيش والدعم السريع أيضاً، ويقول المسؤول السابق في وزارة الصحة بإقليم كردفان عبد الله شرف الدين لـ"العربي الجديد": "عشرات المستشفيات خرجت عن الخدمة بسبب القصف بالطيران، ونهبت محتويات بعضها، ونزحت غالبية الكوادر الطبية، والمراكز المتبقية تعمل بالحد الأدنى من الإمكانيات، وتعاني من شح في الأدوية والمستلزمات الطبية، والتي يُحصل عليها من السوق السوداء بأسعار مضاعفة".
وأشار شرف الدين إلى الصعوبات التي يواجهها المدنيون في المناطق المحاصرة في كادوقلي والدلنج التي أصبحت المستشفيات فيها عاجزة عن تقديم الخدمات الطبية نتيجة للنقص الحاد في الأدوية التي نفدت، واضطرار الكوادر الطبية في كثير من الأوقات لاستخدام أدوية غير مرخصة، وتدخل إلى الأسواق بطرق غير قانونية، رغم عدم التأكد من صلاحيتها، لعدم توفر بدائل مضمونة.

أخبار ذات صلة.
السويسري شيرر حكماً لموقعة سان جيرمان وبايرن
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة