الرشادبرس_ مقالات
بقلم.الدكتور / محمد بن موسى العامري_رئيس الهئية العليا لاتحاد الرشاد
عند بزوغ فجر الدعوة الإسلامية وحين مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم سنة (610م) كان العالم آنذاك يرزح تحت وطأة قطبين عظيمين ، الإمبراطورية الفارسية الساسانية والإمبراطورية البيزنطية الرومانية ، المشار إلى صراعهما في قوله تعالى :- { الۤمۤ ١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِیۤ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَیَغۡلِبُونَ ٣ فِی بِضۡعِ سِنِینَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَیَوۡمَىِٕذࣲ یَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ یَنصُرُ مَن یَشَاۤءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ ٥ ﴾ ويكاد يطبق المحققون من المؤرخين والمفسرين أن ذلك الصراع لم يكن مجرد استنزاف بين الحضارتين ، وإنما كان تدبيراً إلهياً وتوطئة سياسية وتهيئة لمجال حيوي ومخاض جديد يقود البشرية نحو عدالة الحق بقيادة نبي الهدى عليه الصلاة والسلام ، ومرد ذلك الإعتبار إلى الإيمان بالتدابير الخفية التي لا يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى لتمكين الحق وعلوه لأنه – سبحانه – إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه وسياقاته التاريخية ، ضمن ناموس مطرد وقانون التدافع بين الناس { وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ }
وفي واقعنا اليوم يتشابه الحاضر بالماضي في كثير من جوانبه حيث يبرز صراع محموم بين محورين يمثلان تهديداً وجودياً للمجال الحيوي العربي والإسلامي :-
الأول:- المشروع الصههيوني ، المزروع في قلب منطقتنا العربية الذي يمثل الامتداد الوظيفي للحضارة الغربية – وبخاصة امريكا – وريثة الامبراطورية الرومانية –
الثاني: – المشروع الإيراني وأذرعه التوسعية الذي يستحضر أوهام الإمبراطورية الفارسية الساسانية ، متلحفاً بغطاء أيديولوجي ، صفوي رافضي وميليشاوي عابراً للحدود.
وقد ارتبط بهذين القطبين المتغطرسين فساد في الأرض وظلم وفجور وطغيان بلغ مداه وذلك مؤشر يؤذن بزوال تراكماته وبوادر ذلك التحول أو الأفول قد أصبحت أكثر وضوحاً في مسار التاريخ الحديث .
ومن اليقين أن مايجري من التحولات الراهنة والأحداث الجسام المتمثل في صراعهما ( نصف هزيمة لأحدهما ونصف انتصار للآخر) – حتى الآن – هو ثمرة لسلسلة طويلة من الصراع على النفوذ والتقاسم والتوسع العدواني في منطقتنا العربية والإسلامية وهنا يمكن القول إن عالمنا العربي والإسلامي ، في عملية صعود و نمو نسبي لا تكاد تخطئها عين البصيرة -رغم قتامة المشهد – ويمكن استشراف ذلك في مسارين :-
الأول :- تنامي الوعي الجمعي واليقظة السيادية لدى شعوب المنطقة العربية ووجود نقلة نوعية في مسارات الإدراك بحقيقة الأعداء سواء المكشوفين ظاهرياً كالصههيونية ومن خلفها أو المشروع الإيراني النفاقي فلم يعد العدو الصههيوني الغاصب وحده في دائرة الحذر والتوقي فحسب بل تجاوز ذلك إلى إدراك خطورة المشروع الإيراني التوسعي – وبخاصة بعد عدوانه الأخير السافر على منطقة الخليج العربي – وباتت الشعوب تدرك أن الصههيونية وخطرها الوجودي، والمشروع الإيراني وأذرعته المتستر بعباءة التدين الكهنوتي الخرافي هما وجهان لعملة واحدة تهدف إلى تفتيت الجغرافيا العربية .
وهذا الرصد واليقظة ممتد من جزيرة العرب –مهد العروبة والإسلام – إلى الشام والعراق ومصر والسودان والمغرب العربي ، وهي مؤشرات على تحولات عميقة متولدة من رحم الأحداث وليست مجرد ردود أفعال وقتية ، وإنما إعادة تشكيل للهوية العربية والإسلامية القائمة على الرفض المطلق للتبعية، سواء كانت لغرب مستعمر أو لشرق طامع ، لعدو سافر أو عدو منافق .
ثانياً :- هناك بوادر عقلانية رسمية سياسية على مستوى الوطن العربي وقيادات جديدة باتت أكثر حصافة في إدارة التوازنات الدولية ، وتحييد المنطقة مغبات التجاذبات القطبية والاصطفافات التبعية إضافة إلى القدرة على المناورات الاحترافية البراغماتية بين الأقطاب العالمية لانتزاع المصالح القومية العليا وهي خطوة متقدمة مقارنة بما كان عليه الحال في عقود سابقة .
ويتجلى لنا هذا النمو في ثلاث ركائز سيادية :-
1- التفاعل الندي نسبياً والقدرة على المناورة مع القوى الدولية المؤثرة، والتعامل معها كشريك استراتيجي والبحث عن التقاطعات التي تخدم المصالح الكبرى والأمن القومي العربي بما يعكس قدراً من الواقعية السياسية في إدارة الملفات الدولية.
2- التقارب الإيجابي وتعزيز التحالفات وبناء التكتلات ذات الروابط والمصالح المشتركة ثقافياً وأمنياً واقتصادياً بعيداً عن الاستقطابات الحادة التي تخدم القوى الإقليمية المتربصة ومحاولة تصفير الأزمات البينية والانفتاح مع القوى الإقليمية المتجانسة بمنأىً عن صراعات الاستنزاف العدمية .
3- الالتفات إلى الجذور الحضارية والعودة إلى أسباب القوة المادية والمعنوية وإعادة بناء عناصر القوة الذاتية وبما يعكس الولوج إلى بوابة مرحلة جديدة نحو إعادة ضبط العلاقة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة على أساس المصالح والواقع بعد فترات من القطيعة والاحتقان.
ختاماً :-
لقد تواطأ المشروعان الصههيوني والإيراني الصفوي في العقود الماضية على نهش جسد العالم العربي واستباحت جغرافيته والفتك به وافتراسه في أكثر من ساحة أبرزها فلسطين والعراق وسوريا واليمن ولبنان ، عبر تخادم استراتيجي مباشر وغير مباشر بهدف إبقاء العرب في حالة استنزاف ممنهج لتقاسم النفوذ مما ضاعف من المعاناة وأطال أمد الأزمات – بيد – أن التناقضات والصراعات الجارية بين هذين المحورين قد تفتح ثغرة تاريخية كبرى مضيئة تفرض على الأمة استثمار هذا الصدام لانتزاع المبادرة والعودة إلى محطة التأثير العالمي وليس ذلك من الإفراط في التفاؤل بقدر ما هو القراءة السننية والتاريخية لصراع الأقطاب ونتائجه ، واستعادة المركز الطبيعي لأمة تقدمت الإنسانية طيلة ثلاثة عشر قرناً من المحال تهميشها إلى الإبد كما أن ذلك لن يتحصل بمجرد رصد مجريات الأحداث دون استعداد حقيقي للنهوض والتعافي وإعادة القيمة الحضارية كصمام أمان للعدل ونشر الخير في الأرض لضرورة استقرار العالم وتصحيح مسار التاريخ حتى يعود الحق لأهله وتستعيد الأمة مكانتها الطبيعية وفي سلم الأولويات العودة الصادقة إلى الهُوية العروبية والإسلامية المستمدة من صفاء الوحي كتاباً وسنة مهتدية بتاريخنا المشرق كمرتكز للقوة المعنوية ، وإعادة بناء الذات مادياً وتقنياً وفق تسخير الأسباب كمرتكز للقوة المادية وذلك يتطلب إعداد الدراسات التخصصية لرؤية مستقبلية ، ومسارات عملية جادة تفضي إلى نهضة شاملة وميلاد جديد لانتاج وبعث هُوية عربية وإسلامية أصيلة ، ترفض التبعية وتنبذ المشاريع الدخيلة .
د . محمد بن موسى العامري
رئيس الهئية العليا لاتحاد الرشاد
أخبار ذات صلة.