فن الأوبرا في سورية... طلاب يبحثون عن أصواتهم
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
في زاوية بعيدة عن صخب المشهد الثقافي العام في سورية، يقف فن الأوبرا أمام تحديات جسيمة تهدد استمراريته. هذا الفن، الذي يجمع بين الغناء الكلاسيكي والتمثيل والموسيقى والأزياء، يجد نفسه محصوراً بين شغف فردي لدى الطلاب وخريجي المعهد العالي للموسيقى، وبين واقع مؤسسي ضعيف وسوق فنية متواضعة، ما يفرض على جيل من المغنين الشباب التفكير في السفر أو البحث عن فرص خارج البلاد. بين شهادات الطالبات وتحليل الأكاديميين، تتشكل صورة واضحة لفن حي ولكنه محاصر، ومواهب موجودة لكنها مهددة بالهجرة، وجمهور مُحتَمل لكنه ليس مخاطَباً، في ظل بيئة محلية لا توفر له الظروف اللازمة للنمو والاستمرارية. تبدأ الحكاية من غياب التعريف. توضح الطالبة في قسم الأوبرا بالمعهد العالي للموسيقى، ليال مقلد، أن أحد أبرز التحديات يتمثل في أن هذا الفن نفسه غير معروف على نطاق واسع، حتى ضمن الأوساط التعليمية. تقول مقلد لـ"العربي الجديد": "كثيرون لا يعرفون أساساً بوجود دراسة أكاديمية للأوبرا في البلاد، وغالباً ما يُفاجأ الناس حين يسمعون بهذا التخصص، أو يظنون أنه مجرد دورات وليس برنامجاً جامعياً". هذا الغياب في الوعي لا يقتصر على المجتمع، بل يطاول حتى الطلاب أنفسهم. تقول مقلد إنها لم تكن تعلم بوجود هذا المسار قبل دخولها المعهد، رغم اهتمامها بالموسيقى، ما حال دون تحضيرها المبكر. تشير أيضاً إلى أن نقص الفرص العملية يشكل عائقاً أساسياً أمام تطور الطلاب: "الموسيقى لا يمكن أن تتطور من دون مواجهة مع الجمهور، فنحن لا نغني لأنفسنا"، في إشارة إلى غياب الحفلات والعروض المنتظمة التي تسمح للطلاب بتجربة المسرح واختبار حضورهم الفني. هذا الغياب ينعكس مباشرةً على المستقبل المهني، فبحسب مقلد، تكاد فرص العمل بعد التخرج تقتصر على التدريس، في ظل غياب سوق للأوبرا أو إنتاجات فنية مستمرة. تضيف: "المردود المادي ضعيف جداً، ولا توجد خيارات للعمل سوى إعطاء دروس خاصة، وهي أيضاً لا تكفي لتأمين دخل مستقر". تؤكد أن المسار الطبيعي المفترض، كما هو الحال في دول أخرى، يتمثل بانتقال الخريج من المعهد إلى دار أوبرا أو مؤسسة فنية، حيث يبدأ مسيرته المهنية. لكن هذا المسار غير موجود في سورية، ما يدفع معظم الخريجين للتفكير في السفر بوصفه خياراً شبه حتمي. غياب العروض الأوبرالية المنتظمة يحرم الطلاب من اختبار المسرح الصورة نفسها تتكرر في شهادة الطالبة آية الشاعر، التي ترى في الأوبرا فناً متكاملاً يجمع بين التمثيل والموسيقى والأزياء. تقول الشاعر لـ"العربي الجديد": "الأوبرا فن جامع، وكل عمل يحمل قصة مختلفة". لكن هذا الشغف يصطدم بواقع معقد، خاصة للطلاب الآتين من خارج دمشق، إذ يتطلب هذا الاختصاص نمط حياة دقيقاً يقتضي الاعتناء بالصوت وتقنياته وصحته، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الظروف المعيشية الحالية. تشير أيضاً إلى التحديات اللوجستية، مثل التنقل وصعوبة الوصول إلى أماكن التدريب أو توفر القاعات، ما يحد أحياناً من القدرة على الالتزام الكامل بالتمارين. رغم ذلك، يبقى الطموح حاضراً، وإن كان خارج الحدود، مؤكدة أن معظم الطلاب يفكرون في السفر بعد التخرج "لأن الطموح الطبيعي لأي طالب هو أن يجد مساحة يقدّم فيها هذا الفن احترافياً، وهو ما نفتقده محلياً". أما على مستوى الجمهور، فترى آية الشاعر أن المشكلة لا تكمن في رفض الأوبرا بقدر ما هي في عدم التعريف بها: "كثيرون لا يعرفون هذا الفن، وإن عرفوه فقد يسيئون فهمه أو يسخرون منه"، معتبرة أن غياب الحفلات والعروض هو السبب الرئيسي في هذه الفجوة الثقافية. بدورها، تقدم الطالبة ليليان عزام (وهي على أبواب التخرج)، رواية مشابهة ولكن من زاوية مختلفة، إذ تركز على طبيعة هذا الفن نفسه. تقول: "شغفي بالأوبرا بدأ منذ الطفولة، من خلال دراسة الموسيقى والعزف على البيانو، قبل أن أكتشف ميولي للغناء الأوبرالي خلال دروس السولفيج". تصف الأوبرا بأنها من "أجمل أشكال الغناء وأعمقها"، لكنها في الوقت نفسه من الأصعب، إذ تحتاج إلى "جهد طويل وتراكم خبرة على مدى سنوات". توضح أن كل تفاصيل الحياة اليومية تنعكس على الأداء، من النوم إلى التغذية، ما يجعل هذا التخصص أقرب إلى نمط حياة. رغم الشغف، تصطدم عزام بواقع ما بعد التخرج، إذ يؤكد غياب البيئة الفنية الحاضنة صعوبة الاستمرار في هذا المجال داخل سورية، ما يفتح الباب أمام خيار السفر، وإن لم يكن فورياً دائماً. وتشير إلى أن الحديث عن أوبرا في سورية اليوم يبدو مبالغاً فيه "لأنه لا يمكن الحديث عن أوبرا في ظل غياب الإنتاج المنتظم والعروض الدورية"، رغم وجود جمهور مهتم يظهر في بعض الحفلات التي تشهد إقبالاً لافتاً. تعود بدايات الأوبرا، مؤسسةً رسمية في سورية، إلى افتتاح دار الأوبرا السورية عام 2004، وقد عُرفت لاحقاً باسم "دار الأسد للثقافة والفنون"، لتشكل نقطة تحول في المشهد الموسيقي الكلاسيكي في البلاد، بوصفها أول فضاء مخصص لاستضافة العروض الأوبرالية والسيمفونية والباليه. تزامن ذلك مع تأسيس قسم الغناء الأوبرالي في المعهد العالي للموسيقى مطلع الألفية، ما أتاح تخريج دفعات متتالية من المغنين المدربين أكاديمياً، وإن بقي عددهم محدوداً للغاية، إذ لا يتجاوز في معظم السنوات طالباً أو طالبين فقط، نتيجة صرامة شروط القبول وطبيعة التكوين الطويلة والمعقدة. خلال سنوات ما قبل عام 2011، شهدت دار الأوبرا نشاطاً ملحوظاً، إذ استضافت عروضاً أوبرالية كاملة وأمسيات غنائية بمشاركة فنانين سوريين وأجانب، إلى جانب حفلات دورية للأوركسترا السيمفونية السورية. ومن بين أبرز هذه الفعاليات، تقديم مقتطفات من أعمال أوبرالية عالمية، إضافة إلى حفلات مشتركة جمعت مغنين سوريين بأوركسترات محلية، في محاولة لبناء تقليد أوبرالي مستدام. غير أن هذا الزخم تراجع بعد عام 2011، فتقلص عدد الحفلات وتراجع الإنتاج الأوبرالي الكامل، ليقتصر النشاط في كثير من الأحيان على حفلات متفرقة أو مشاركات محدودة، ما انعكس بدوره على فرص الخريجين في الاستمرار داخل البلاد. ورغم محاولات إحياء هذا الفن عبر حفلات متقطعة خلال السنوات الأخيرة، فإن غياب خطة إنتاج منتظمة، وعدم وجود فرقة أوبرا دائمة، لا يزالان يشكلان عائقاً أساسياً أمام تطور هذا القطاع واستعادة دوره الثقافي. في ظل هذا الواقع، يوضح رئيس قسم الغناء في المعهد العالي للموسيقى، فادي عطية، أن الأوبرا في سورية "لا تزال مجرد عنوان أو بناء، وليست مؤسسة تمتلك خطة لتثبيت المغنين والموسيقيين بهدف تكوين كادر للإنتاج وإقامة عروض دورية أو حفلات غنائية دورياً على الأقل، فهي تحتاج إلى دعم كبير وتبنّ حقيقي". يشير عطيه إلى أن المعهد خرّج منذ مطلع الألفية عدداً من المغنين الجيدين، إلا أن الظاهرة الأبرز هي ما يسميه "أوبرا الترانزيت"، إذ يغادر معظم الخريجين البلاد بحثاً عن فرص أفضل، مدفوعين بالواقع الاقتصادي وضعف العائد المادي للعمل الفني محلياً، إذ لا يتجاوز أجر المغني في بعض الحفلات نحو 30 دولاراً، وهو مبلغ لا يوفّر الحد الأدنى من الاستقرار المهني. لا تزال مجرد عنوان أو بناء، وليست مؤسسة تمتلك خطة لتثبيت المغنين والموسيقيين يؤكد فادي عطية أن عدد الخريجين سنوياً محدود جداً، إذ لا يتعدى في كثير من الأحيان طالباً أو طالبين فقط، نتيجة صعوبة شروط القبول التي تتطلب خبرة موسيقية سابقة، صوتاً قوياً قابلاً للتطور، حساً فنياً عالياً، وثقافة واسعة، فضلاً عن القدرة على الأداء المسرحي. تحتاج رحلة التكوين نفسها إلى سنوات من التدريب المكثف لتحقيق تطور حقيقي في الصوت والأداء، ما يجعل أي هجرة لخريج بمثابة خسارة مضاعفة للقطاع الفني المحلي. يضيف أن المشكلة لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى غياب منظومة واضحة لإدارة الإنتاج الموسيقي، وافتقار الساحة إلى رؤية تنظيمية تتيح إقامة حفلات منتظمة أو بناء فرق مستقرة. نتيجة لذلك، أصبح النشاط الفني متقطعاً خلال السنوات السابقة وباتت قليلة جداً خلال هذه الأيام ولجميع الاختصاصات، ما يحرم الجمهور من فرصة التعرف إلى هذا الفن أو التفاعل معه، ويجعل البيئة المحلية "طاردة" للمواهب، في مقابل بيئات خارجية "مستقطِبة" تستفيد من هذه الكفاءات الجاهزة. يشير أيضاً إلى أن وجود المسارح لا يقتصر على تقديم العروض فقط، بل يجب أن يشمل الترويج للفنون وبناء علاقة مع الجمهور. إلا أن غياب النشاط الدوري اليوم لا يطاول الأوبرا وحدها، بل يشمل المشهد الموسيقي كلياً، إذ يفتقر الجمهور إلى عروض منتظمة، سواء للأوركسترا السيمفونية أو عروض الجوقة والباليه، ما يحد من التفاعل الثقافي ويضعف الارتباط الفني بالموسيقى الكلاسيكية. يختم عطية بالقول: "الأوبرا فن يحتاج إلى رعاية خاصة ووعي مجتمعي بقيمته، وتطويره في سورية يتطلب معالجة اقتصادية وثقافية وإعلامية متكاملة، تضمن الحفاظ على الكفاءات المحلية وبناء بيئة حاضنة لهذا الفن". يبقى الواقع الراهن للأوبرا في سورية انعكاساً لتوازن هش بين إرادة الأفراد وإمكانات المؤسسات. على الرغم من التفاني الكبير الذي يبديه الطلاب والخريجون، فإن غياب بيئة إنتاجية منظمة وفرص حقيقية للظهور أمام الجمهور يحوّل هذا الشغف إلى تحدٍ مستمر. دولياً، يظل عدد الفنانين السوريين الذين وصلوا إلى مستوى الأداء الأوبرالي المحترف محدوداً، ومن أبرزهم المغنية لبانة القنطار؛ أول مغنية أوبرالية سورية تحقق شهرة عالمية، وأصيل مسعود التي شاركت في عروض رئيسية في أوروبا، إلى جانب أراكس تشيكدجيان التي أسّست مدرسة تدريبية أسهمت في إنتاج عدد من المغنين المتخصصين. هذا العدد الضئيل يعكس واقعاً مزدوجاً: محدودية الفرص التدريبية والأداء داخل البلاد، وصعوبة الحفاظ على المواهب في ظل بيئة محلية غير حاضنة، ما يضطر العديد من الخريجين إلى البحث عن فرص خارج سورية للحفاظ على مسيرتهم المهنية في هذا الفن النخبوي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية