عربي
أخرج هرباً من أخبار الحرب، ومن وسائل التواصل الاجتماعيّة فضّاحة عار انحطاطنا. أمشي في الريح والبرد. أتذكّر عادة طفوليّة لازمتني في الشتاءات، يجذبني المطر والريح والبرد كمسحورة إلى الخارج. ويا للسعادة التي كانت تؤجّجها عودتي. تستهويني رؤية مداخن بيوت قريتي يتراقص دخانها الأسود مع الريح، ورائحة الأحطاب تشتعل في المواقد. ويشتعل الشوق للعودة سريعاً إلى بيتنا والدفء.
كنت أخالني ألعب. لم أكن أعي ما يتكوّم في داخلي غير الفرح. في بيتنا، وقت المطر، أسارع لتبديل ملابسي خفية عن أمّي وتوبيخها. ثمّ أختفي قرب أبي والمدفأة وتتابع نظراتي سطور جريدة أو كتاب بين يديه، عادته اليوميّة. تلك العادة تلبّستني مبكّراً. كبرت، وبدأت أدرك ما لم أكن أعيه من أحاديث كبار عائلتي وأهل القرية، من الإذاعة والتلفزيون: الصهيونيّة تحتلّ جارتنا فلسطين، تفتك بمدنها وقراها، ترتكب المجازر وتشرّد الناجين من الأهالي. وفدائيّون أبطال ومقاومة عظيمة. ينتفض العالم العربيّ بأكمله غضباً ونخوة، ويلتحق رجاله وشبابه والبنادق إلى أرض فلسطين ومؤازرة ثوّارها الأبطال. وكانت ثورات الإباء وانتفاضات الكرامة، وصرخة الحريّة تغطّي وجه السماء العربيّة.
تساءلت: وأين المرأة؟ ويسير الزمن. ثمّ، ويا لهذه الـ(ثمّ) التي لم تلبث أن بزغت ولا نزال في سكرة الفرح باستقلالاتنا العربيّة المتتالية. وما إن باشرت همم الوطنيّين الشرفاء بكافّة المجالات بالشحذ لترميم تعثّر النهضة العربيّة في مصر، متاثّرة بحركات التحرّر العالميّة، فتكون نهضتنا سلاحاً قويّاً إلى جانب سلاح المقاومة لتحرير فلسطين وطرد المحتلّ الغاضب.
المقاومة حقّ شرّعته الدساتير الإنسانيّة. لم تلبث تلك الهمم أن تشحذ حتّى أُحبطت. لتطول تلك الـ(ثمّ)، تتمدّد وتتجدّد آثامها. الصهيونيّة سرطان نازل علينا كقدر سطّرته الشياطين الأوروبيّة، السرطان الأشرس والأقذر في تاريخ البشريّة، أصابنا بالعدوى، يفرح السرطان، ومعه نفرح. خلال هذه الـ(ثمّ) ولدت وترعرعت وكبرت بما فيه الكفاية، تبعاً لترعرع ديكتاتوريّاتنا العربيّة، استبدادهم وجشعهم، شعاراتهم القوميّة والوطنيّة المنافقة كنفاق انتخاباتهم، ودعواتهم لتحرير المرأة، فشيّدوا لها سجوناً بلا أبواب توصد ولافتة عريضة كتبوا عليها: الاتحاد النسائي. لتكون مصانع لإعادة تدوير واقع المرأة المزري وتكريسه. أطلقوا صوتها في البرلمانات والوزارات وقصور الرئاسة نسخة طبق الأصل عن أصواتهم. فلا مكان للمرأة المتحرّرة الحرّة بينهم. واشتراكياتهم الرأسمالية. في أنوفنا كما أنوف العالمين حشرت الرأسمالية والإمبريالية والنيوبيرالية إجرامها روائح نتانتها وإجرامها. لأدرك تفسيراً لهوايتي الطفولية القديمة وسرّ تمرّدي وخروجي العنيد إلى الريح والمطر.
تلك الريح والمطر الخصيب حملا إليّ أمّي الثانية؛ نوال السعداوي. فرأيت. وعرفت أين المرأة. لقد خلقت مجبولة بإرث البطريركيّة السميك، وتحت نير تشريع حكمها على النساء: عورة هي الأنثى، عورة اسمها، صوتها وجسدها، فليطمس هذا الجسد الفتنة، ليحبس خلف الأبواب الموصدة، عقل ناقص عاجز، وعليه شرّع الإله لنا، نحن الكاملين، وصايتنا عليها ملكيّةً خاصّة، نستبيحها سرّاً وعلانية، نغتصبها، نسبيها، نشتريها ونبيعها. مجتمعات بينها من تحرّر، وأخرى تنتظر. صرخاتهم المنافقة تصرع الآذان: البلاد محتلّة، أو قاب قوسين. البلاد تثور لتحريرها من الديكتاتور وأنتنّ تطالبن بحرّيتكنّ؟ إنّ نجاح الثورة ونهوض المجتمع، بناء دولة قويّة، من دون نساء حرّات ومشاركات فاعلات حقّاً.
بعد ذلك أدركت سبب سعادتي في طفولتي والعودة إلى البيت بعد اللعب مع الريح لاكتشافي أنّني مصابة بمتلازمة الفقد والتهجير لكوني ولدت والمحتلّ الصهيونيّ ماكث وشروره في أراضينا، والمتصهينون والمتصهينات من أبناء هذه الأرض يتكاثرون ويطبّلون له.
