عربي
رحلت أخيراً الكاتبة والسياسية السورية كوليت سهيل خوري (1931 ـ 2026) بعد حياة حافلة وحضور ثقافي واسع منذ خمسينات القرن العشرين، أثارت خلالها الجدل، وأحدثت عواصف من ردود الفعل.
أن تكون حفيداً لفارس الخوري، فهذا أمرٌ يمنحك الكثير، لكنّه أيضاً يحمّلك أكثر، ويجعلك في بؤرة الضوء دائماً، ويضع مواقفك وكلماتك وتصريحاتك في مركز النقاش والاهتمام. حيث يعوّل عليك الآخرون لتكون نصيراً لهم، نصيراً للمظلومين والمقهورين، فحفيدة الرجل الوطني الكبير، والكاتبة التي أحدثت هزّة مجتمعية بجرأتها وعلو صوتها، لا بدّ أن تكون في صف الناس دائماً ومن دون لبس.
لذلك أخذ سوريون كثيرون على كوليت خوري موقفها من الثورة السورية، ووقوفها في صف النظام بشكل واضح وحاسم. ولم يغفر لها أنها كانت، حين قامت الثورة، في الثمانين من العمر، فهي من مواليد 1931 حسب أقرب المصادر، بينما تقول مصادر أخرى أنها مواليد 1934 أو 1938 كما استنتج قرّاء من كتبها، تحديداً من روايتها الأقرب إلى أن تكون مقاطع من سيرة ذاتية "أيام معه". وقد صدرت في 1959 أي حين كانت كوليت خوري شابة في الثامنة والعشرين (أو العشرين كما توحي) أحدثت هزّة في الوسط الثقافي السوري خصوصاً، والعربي عموماً، لصراحتها ووضوحها، ودرجة البوح والاعتراف التي تحويها، وقد أجمع النقّاد وقتها، أن الرواية تحكي عن قصة حب بين الكاتبة الشابة والشاعر الكبير نزار قباني. من دون أن يكون هذا واقعاً بالضرورة. ودائماً ما كانت تجيب حين يسألها أحد عن هذا الأمر: العمل الأدبي ليس مذكّرات شخصية بل رؤية فكرية وجمالية للحب. نقدياً لا يمكن اعتبار الرواية حكاية عن علاقة حب، بل منظور امرأة للحب ولعلاقات الحب. وهي رواية لم تكترث لما حدث، بقدر ما كان مركز اهتمامها على: كيف شعرت اتجاه ما حدث.
أخذت كوليت خوري مكاناً مبكّراً في خريطة الأدب العربي، بوصفها من رائدات الأدب النسوي العربي، مع ابنة بلدها ومدينتها غادة السمان
اشتهرت هذه الرواية المبكرة أكثر من جميع كتب كوليت خوري الثلاثين الأخرى، والتي تنوعت بين الرواية والقصة والسيرة الذاتية والمقالة والتوثيق التاريخي لأرشيف جدّها فارس الخوري، السياسي السوري البارز، وأحد آباء الاستقلال وتشكيل الوطنية السورية. وبالإضافة إلى "أيام معه" روايتها الأشهر، التي أثارت جدلاً واسعاً لجرأتها، صدر لها ليلة واحدة (1961) ستلمس أصابعي الشمس 1962 ومرّ صيف 1975 أيام مع الأيام 1978 سنوات الحب والحرب 2006. ولها في القصة القصيرة: أنا والمدى 1962، دمشق بيتي الكبير 1968، والمرحلة المرة 1969، والكلمة أنثى 1971، وقصتان 1972، وطويلة قصصي القصيرة 2000. ولها في السيرة الذاتية والتاريخ: معك على هامش رواياتي 1987 وهو كتاب تأملي/ سيري عن تجربتها الأدبية. وذكريات المستقبل 2002، وعبق المواعيد 2008، ويبقى الوطن فوق الجميع 2008، وإلى القنيطرة وشخصيات في الخاطر 2016، وبالطبع كتابها الأهم" أوراق فارس الخوري" الذي صدر في جزئين. ولها ديوانان شعريان باللغة الفرنسية: Vingt ans عشرون عاماً 1957، ورعشة – Frisson / 1960.
أخذت كوليت خوري مكاناً مبكّراً في خريطة الأدب العربي، بوصفها من رائدات الأدب النسوي العربي، مع ابنة بلدها ومدينتها غادة السمان، وقد درست الحقوق في الجامعة اليسوعية ببيروت، ثم الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، وتميزت بجرأتها المبكرة في الكتابة عن الحب من منظور المرأة كذات معبّرة عن ذاتها، وليس كموضوع سردي، وعن صراع المشاعر والتقاليد، والعاطفة والمجتمع، وكسرت المحرّمات والمحظورات منذ خمسينات القرن العشرين، حين كانت الكتابة عن الجسد تعد جريمة كبرى. وكان لها حضور سياسي من خلال عضويتها في مجلس الشعب السوري في تسعينات القرن العشرين، بالإضافة إلى حضورها الثقافي الواسع مدرّسة جامعية وكاتبة منتظمة في الصحافة، ومستشارة أدبية. واهتمت بتراث مدينتها دمشق، وبحفظ تراثها الأثري والثقافي والاجتماعي، فهي مولودة في حي باب توما الدمشقي العريق، وتنتمي عائلتها إليه منذ قرون.
أصدرت كوليت: "أوراق فارس الخوري" في جزئين، 1989 و1997، وفيه لم تقدّمه بطلاً أسطوري، بل شخصية سياسية - إنسانية معقّدة
اتصفت كتاباتها بلغتها البسيطة والمباشرة والقريبة من الكلام اليومي، وبشحنة جرأة عالية في الاعتراف والمكاشفة، وربما يكون اعتمادها ضمير المتكلم دائماً في أعمالها الروائية والقصصية، وجعل الرواي امرأة غالباً، السبب في هذا الانطباع الذي تخلّفه قراءة أدبها على المتلقي، وأيضاً لانها كتبت عن الجسد من دون مواربة ومن دون رمزية ومن دون استعارات أخلاقية تهادن المجتمع. ويعتبر نقّاد ان أسلوبيتها هذه فتحت الباب أمام جيل من الكاتبات السوريات ليقدّمن أدباً نسوياً جريئاً وصادقاً. ورواياتها غالباً ما تبدو مونولوغ اعتراف طويل وحميم، يُظهِر المرأة صوتاً عالياً غير قابل للإسكات أو التهميش.
من مقالاتها وأدبها يظهر بوضوح أثر رجلين مهمّين شكّلا شخصيتها، والدها سهيل خوري وجدّها فارس الخوري، وقد كان والدها سياسياً أيضاً شغلل مناصب وزارية في العهد الوطني، وكان مشجّعاً ومسانداً لشغف ابنته المبكّر بالكتابة. وذكرت في حوار أنه كان قارئها الأول، وانها كانت تكتب إليه رسائل طفولية، تعبّر فيها عن مخاوفها وأحزانها، وتتركها تحت وسادته ليقرأها ليلاً، فيرد عليها صباحاً
ترك هذا التفاعل العاطفي– اللغوي أثراً عميقاً في تشكّل صوتها السردي القائم على الاعتراف والبوح الهادئ. وجدّها فارس الخوري رئيس الوزراء ورئيس مجلس النوّاب، والشخصية الوطنية البارزة كان قريباً منها ومشجّعاً لها، وأبدى تسامحاً واحتراماً لخيارات حفيدته الفكرية والشخصية، رغم انه عاش في زمن كان محافظاً تجاه أدوار المرأة، لكنّه دعم جرأتها الأدبية. وفي مرحلة لاحقة من حياتها، تحوّلت علاقة الحفيدة بالجدّ إلى عمل ثقافي وتاريخي، حيث أصدرت: "أوراق فارس الخوري" في جزئين، 1989 و1997، وفيه لم تقدّمه بطلاً أسطوري، بل شخصية سياسية– إنسانية معقّدة، ومثالاً على جيل وطني آمن بالدولة والمؤسسات.
