تشظّي الذات في "ممانعة": قراءة نفسية
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
"في كل علاقة، هناك صراع صامت بين أن نكون أنفسنا وأن نكون كما يريدنا الآخر". في مساء السابع من إبريل/ نيسان، وداخل فضاء المركز الثقافي، كان لي أن أتابع عرضاً مسرحياً ينهل من عمق التجربة الإنسانية ويغوص في تعقيداتها النفسية، ويتعلّق الأمر بمسرحية "ممانعة"؛ هذا العمل الذي يندرج ضمن المسرح السيكولوجي المعاصر، الذي يحاول الجمع بين الأسئلة الوجودية المرهقة التي تفرض نفسها علينا جميعاً والتمثّلات العاطفية التي نشكلها حول العالم وحول ذواتنا. المسرحية من إخراج عادل أبا تراب، وتأليف شيماء المزين، وقد اشتغلت على تفكيك العلاقة الزوجية من الداخل، عبر مقاربة درامية تزاوج بين البعد النفسي والتشخيص الركحي المكثف. أما على مستوى الأداء، فقد تألقت كل من جليلة تلمسي وزينب علجي في تجسيد شخصية "راضية" بوجهين زمنيين ونفسيين مختلفين، فيما قدم أمين التالدي صورة الزوج المنخرط في نفس الصراع، وإن من زاوية مغايرة. منذ اللحظة الأولى، يعلن العرض عن اختياره الاشتغال داخل فضاء مغلق (غرفة النوم)، كإحالة رمزية على انغلاق الذات داخل تناقضاتها. بذلك تفتح "ممانعة" أفقاً تأويلياً رحباً لقراءة النفس البشرية وهي تواجه تصدعاتها، وتقاوم الاعتراف بانكساراتها، فمنذ المشهد الأول يفهم المتلقي أنه ليس أمام حكاية تقليدية عن زوجين في أزمة. ضمن هذا الأفق، تطرح المسرحية ذاتها كخطاب نقدي وجمالي في الآن نفسه، يستدعي مقاربة سيكولوجية لفهم دينامية الشخصيات، وتفكيك ما يعتمل داخلها من توترات، وما تعتمده من آليات دفاعية في مواجهة واقع لم يعد قابلاً للاحتواء. تتشكل شخصية "راضية" في مسرحية "ممانعة" بكونها ذاتاً مأزومة تعيش حالة انشطار داخلي عميق، حيث لا تنفصل معاناتها عن علاقتها الملتبسة بالغير، ممثلاً في الزوج، ولا عن علاقتها بذاتها التي تحولت إلى موضوع للمساءلة والاتهام. إن هذا الانقسام الذي يتجسد ركحياً عبر ممثلتين، يحيل مباشرة على ما يسميه سيغموند فرويد بانقسام الجهاز النفسي، حيث تدخل "الأنا" في صراع مع ذاتها تحت ضغط الرغبات المكبوتة والخيبات غير المعلنة، فتلوذ إلى آليات دفاعية مثل اللوم الذاتي والسخرية من النفس، كنوع من "العقاب الداخلي" الذي يعوّض عجزها عن مواجهة الآخر. في هذا السياق، لا يصبح كلام "راضية" موجّهاً إلى الزوج بقدر ما يتحول إلى مونولوغ داخلي، أشبه بمحاكمة نفسية تستعيد من خلالها قراراتها السابقة وتفككها بنبرة نقدية لاذعة، وكأنها تمارس على ذاتها سلطة "الأنا الأعلى". تتشكل شخصية "راضية" في مسرحية "ممانعة" بكونها ذاتاً مأزومة تعيش حالة انشطار داخلي عميق غير أن هذا الانشطار لا يقف عند حدود التحليل الفرويدي، بل يتجاوزه نحو أفق تحليلي أقرب إلى كارل يونغ، وعند هذا التفصيل الدقيق يمكن قراءة حضور "راضية الماضية" كظل يلاحق الحاضر ويكشف ما قُمع أو نُسي، فتغدو المواجهة مع الذات مواجهةً مع ذلك الجزء المنسي من الكينونة. ومن جهة أخرى، فإن العلاقة مع الزوج، بوصفه "الغير"، تستدعي استحضار تصوّر سارتر الذي يرى أن "الآخر هو الجحيم"، أي باعتباره مرآة قاسية تكشف هشاشتنا وتعرّي أوهامنا. هكذا، يتحول الزوج في وعي "راضية" إلى عين مراقِبة، تشعرها بانكسار صورتها، خصوصاً حين يقارنها بنسختها السابقة، مما يعمق اغترابها عن ذاتها. وفي امتداد لهذا التصور، تؤكد سيمون دي بوفوار أن العلاقة مع الغير داخل البنية الزوجية كثيراً ما تُختزل في صراع حول الاعتراف والحرية، هنا تجد المرأة نفسها محاصرة بين صورتها كما يراها الآخر وصورتها التي ترغب في أن تكونها، وهو ما يتجلّى في ارتباك "راضية" بين الامتثال والتمرد. أما في أفق التحليل اللاكاني، فإن خطاب "راضية" الموجه إلى ذاتها يمكن فهمه ببساطة بوصفه انخراطاً في نظام المرآة، ويقصد به تلك اللحظة التي تتشظى فيها الهوية بين صورة متخيلة وأخرى واقعية، فيغدو الكلام محاولةً يائسةً لترميم هذا التصدع. ضمن هذا النسيج الدلالي، يكتسب لباس النوم الأحمر بعداً رمزياً مركباً، إذ يحيل، في ظاهره، على الحميمية والأنوثة، لكنه يتحول إلى علامة على توتر داخلي واحتراق نفسي صامت، بينما يعكس الشعر، في انفلاته وعدم انتظامه، فوضى الذات وتفككها. هكذا، تتضافر اللغة والجسد والعلامة البصرية لتقديم "راضية" كذات تعيش مأزق الوجود مع الغير، هذا الوجود الذي يجعل من الغير موضوع حب أو صراع أو شرط من شروط كشف الذات وفهمها. تتجلى شخصية "راضية" في مسرحية "ممانعة" كنسق نفسي مأزوم تحكمه دينامية دفاعية معقدة، حيث لا تنفصل أفعالها وخطاباتها عن محاولات مستمرة لإعادة التوازن إلى ذات مهددة بالانهيار. فمن منظور علم النفس السلوكي، لا يمكن قراءة سلوك "راضية" بمعزل عن تاريخها التعلّمي وما راكمته من خبرات شرطية داخل العلاقة الزوجية، إذ تبدو استجاباتها الانفعالية من توتر وكلام مفرط وتردد نتاجاً لاقترانات سابقة بين مواقف معينة (حضور الزوج، استحضار الماضي) ومشاعر سلبية متكررة، ما جعلها تُطوّر أنماطاً سلوكية شبه آلية تهدف إلى تقليل القلق أو تجنبه. في هذا النسق السلوكي، يمكن فهم لجوئها إلى الكلام المفرط بكونه سلوكاً تفريغياً يحظى بتعزيز سلبي، لأنه يخفف مؤقتاً من حدة التوتر الداخلي، حتى وإن كان يعمق، على المدى البعيد، من هشاشة العلاقة. تطرح المسرحية ذاتها كخطاب نقدي وجمالي في الآن نفسه، يستدعي مقاربة سيكولوجية لفهم دينامية الشخصيات كذلك يكشف خطابها الذاتي، المليء باللوم والسخرية من النفس، عن نوع من التعزيز العقابي الداخلي، فهي طوال مدة العرض المسرحي تمارس على ذاتها نقداً قاسياً يعكس ما يعرفه فريدريك سكينر بآليات الضبط الذاتي التي تتشكل عبر التفاعل مع بيئة مشحونة بالتقييم والرفض. فـ"راضية" لا تنتظر حكم الآخر عليها، لأنها هي من تستبطن الحكم وتعيد إنتاجه داخل خطابها، مما يجعلها تدخل في حلقة مفرغة من السلوكيات التي تعيد تأكيد شعورها بالفشل. ومن جهة أخرى، يمكن قراءة ترددها بين التمرد والانكفاء في ضوء نظرية التعلم الاجتماعي لدى ألبرت باندورا، بحيث يلاحظ المتلقي كيف تعكس سلوكياتها صراعاً بين نماذج مكتسبة: نموذج الخضوع الذي يضمن تجنب الصراع، ونموذج المقاومة الذي يسعى إلى استعادة الاعتبار الذاتي، غير أن غياب تعزيز واضح لأي من هذين النمطين يجعلها تتأرجح بينهما من دون استقرار. إن ما يبدو كميكانيزمات دفاعية في بعدها التحليلي، يظهر هنا سلوكياً كاستراتيجيات تكيفية غير ناجعة: فالاجترار اللفظي، والانسحاب أحياناً، والسخرية من الذات، كلها استجابات متعلمة تهدف إلى خفض القلق، لكنها تساهم في تثبيته عبر ما يشبه حلقة التعلم المغلق، بحيث يُعاد إنتاج نفس السلوك أمام نفس المثيرات. وهكذا، تتحول "راضية" إلى ذات محكومة بشرطياتها النفسية، عاجزة عن كسر نمطها السلوكي، لأن كل محاولة للتغيير تصطدم بتاريخ طويل من التعلم الذي رسخ لديها أن النجاة المؤقتة تكمن في الدفاع، وليس في المواجهة المباشرة. توظف شخصية "راضية" داخل مسرحية "ممانعة" جملة من الميكانيزمات الدفاعية التي تكشف عن عمق أزمتها النفسية، إذ تظهر هذه الآليات كوسائط لا شعورية تحاول من خلالها حماية ذاتها من القلق والانهيار، غير أنها في ذات اللحظة تفضح هشاشتها وتفاقم صراعها الداخلي. من أبرز هذه الميكانيزمات الإنكار، فهي ترفض الاعتراف الكامل بتصدع العلاقة، وتتشبث بصورة مثالية ماضية تحاول استعادتها رغم استحالة ذلك. كما تحضر آلية الإسقاط على نحو واضح، إذ تنسب للزوج مسؤولية التغيّر والبرود، في حين تعجز عن مواجهة تحولاتها الذاتية. ويبرز أيضاً التبرير، من خلال سعيها المتواصل إلى إضفاء منطق ظاهري على سلوكياتها المتوترة، وكأنها تشتهي إقناع ذاتها قبل الآخر بمشروعية انفعالاتها. في مستوى أعمق، يتجلّى الجلد الذاتي كآلية دفاعية مركزية، من خلاله تتحول "راضية" إلى قاضٍ يقسو على ذاته، ناقدةً قراراتها وصبرها بنبرة ساخرة أحياناً، وهو ما يعكس استبطانها لصوت الآخر وتحويله إلى سلطة داخلية ضاغطة. كما يمكن رصد الانقسام (التشظي)، الذي يتخذ بعداً مسرحياً عبر تجسيد الشخصية في صورتين، بما يحيل على محاولة توزيع الألم بين ذاتين: واحدة تعيش التجربة وأخرى تراقبها وتحاكمها. ولا يقل عن ذلك حضور التفريغ اللفظي، أي تحويل الكلام المفرط إلى وسيلة لتخفيف التوتر الداخلي، في غياب قدرة حقيقية على الحسم أو المواجهة. نجد الكبت أيضاً من بين الميكانيزمات الدفاعية التي تنهجها الشخصية، فهي تسعى إلى إبعاد مشاعر الألم وخيبة الأمل المرتبطة بعلاقتها الزوجية إلى مستوى لاشعوري، غير أن هذه المشاعر تعود للظهور في شكل توتر لغوي وانفعالي متكرر. كما تحضر آلية الإزاحة، إذ تقوم بتحويل غضبها وإحباطها من موضوعه الأصلي (الزوج أو العلاقة) نحو ذاتها، فتتحول إلى ممارسة نوع من الجلد الذاتي، وكأنها تعاقب نفسها بدل مواجهة مصدر الألم الحقيقي. إلى جانب ذلك، يبرز الإسقاط كآلية واضحة في بناء الشخصية، فشخصية "راضية" تنسب للزوج صفات التغير والبرود، في حين أن جزءاً من هذا التحول يعكس ارتباكها الداخلي وفقدانها للتوازن. كما يمكن رصد الإنكار، الذي يتجلى في رفضها الضمني الاعتراف بانتهاء الصورة المثالية للعلاقة، وتشبثها بذاكرة عاطفية لم تعد قابلة للاسترجاع. إن ما يبدو من سلوك طفولي لدى الزوج لا يمكن اختزاله في كونه لحظةً عابرةً من الضعف، بل يتكشف كبنية نفسية تؤثر بشكل عميق في طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، إذ يعيد تشكيلها وفق منطق غير متكافئ. فحين ينزاح الرجل إلى موقع الطفل بما يحمله من اعتماد وهروب وتجنب للمواجهة، فإنه يدفع المرأة، بشكل لا واعٍ، إلى التموقع في دور الأم: الحامية، المراقِبة، الناقدة. هذا التحول يفرغ العلاقة من بعدها العاطفي المتبادل، ويقوض إمكان تحققها كعلاقة ناضجة قائمة على الاعتراف المتبادل، ليحل محلها نمط علائقي قائم على الرعاية من جهة، والاتكالية من جهة أخرى. ضمن هذا الحيز التعبيري القهري، يمكن فهم هذا السلوك الطفولي كنوع من النكوص، الذي يدفع الفرد إلى الرجوع إلى أنماط سلوكية مبكرة بحثاً عن الأمان، لكنه بذلك يعلق في مرحلة لا تسمح له ببناء علاقة متوازنة. فالرجل، بدل أن يواجه الآخر ويتعامل معه كشريك ناضج، يتعامل معه كامتداد لوظيفة أمومية، وهو ما يجعل حضوره العاطفي مشروطاً بالحماية وليس بالمشاركة. وفي المقابل، تجد المرأة نفسها مثقلةً بدور يتجاوز طاقتها، إذ تتحول من شريكة إلى وصيّة، ومن محبوبة إلى سلطة ضابطة، مما يولد لديها شعوراً بالاختناق وفقدان الاعتراف. لقد أشار التحليل النفسي عند سيغموند فرويد إلى أن العلاقات غير المحسومة مع النموذج الأمومي قد يعاد إنتاجها داخل الروابط العاطفية، أي أن الرجل يبحث عن الأم في المرأة كملاذ نفسي يعوض نقصاً داخلياً. كما يرى كارل يونغ أن هذا التماهي غير المتوازن مع صورة الأم يؤدي إلى اختلال في علاقة الرجل بالأنوثة، فيتحول السلوك الطفولي إلى عائق بنيوي أمام تشكّل علاقة سوية، لأنه يعطّل إمكان اللقاء بين ذاتين راشدتين، ويستبدله بعلاقة غير متكافئة تعيد إنتاج التبعية عوض الحوار. وعليه، فإن أثر هذا السلوك يمتدّ ليصوغ العلاقة برمتها في شكل دائرة مغلقة، لأنه يكرّس انسحاب الرجل وهيمنة المرأة، وتغذي هذه الهيمنة مزيداً من انسحابه، في تكرار نفسي يعمق المسافة بينهما بدل أن يجسرها. تُفضي مسرحية "ممانعة" إلى مساءلة جذرية لمعنى الوجود في علاقته بالغير تُفضي مسرحية "ممانعة"، في أفقها الأبعد، إلى مساءلة جذرية لمعنى الوجود في علاقته بالغير، الذي يتكشف كأثر لانقسام أنطولوجي تعيشه الذات وهي تتعثر في إدراك ذاتها خارج مرايا الآخرين. إن ما يبدو في ظاهر العرض خلافاً بين "أنا" و"آخر"، سرعان ما ينقلب إلى توتر داخلي بين "أنا" ونسخها المتعددة، بين صورة متخيلة تستعصي على الأفول وواقع يفرض قسوته بوصفه حقيقة غير قابلة للتأجيل. من هنا، تغدو "الممانعة" بنية وجودية تقاوم الانكشاف، وتؤجل لحظة الاعتراف، وتتشبّث بوهم الاستمرارية في عالم تحكمه القطيعة والتحول. إن الذات، وهي تسعى إلى التحقق عبر الآخر، تجد نفسها أسيرة نظرته، محاصرة بين رغبتها في الاعتراف وخوفها من الانكشاف. وهنا تتمظهر مفارقة الوجود: أن نحتاج إلى الآخر لنكون، وأن نخشى حضوره لأنه يفضح ما نحاول إخفاءه، فتغدو العلاقة مجالاً لصراع خفي بين الرغبة في الاتحاد والرغبة في الانفصال. تتأسس السينوغرافيا في "ممانعة" على اقتصاد بصري مكثف محمّل بدلالات نفسية عميقة، حيث تتحول العناصر الركحية إلى امتدادات حسية لانشطار الذات. فالمرآة تصبح فضاءً لتفكيك الهوية، والسرير علامة على الوحدة بدل الحميمية، بينما تسهم الإضاءة الخافتة والموسيقى في بناء مناخ بصري يعكس التوتر الداخلي للشخصيات. أما على مستوى اللغة، فتقوم المسرحية على توتر بين الحوار والمونولوغ؛ إذ يكشف الخطاب المباشر عن صدق عارٍ، في حين يتيح المونولوغ النفاذ إلى أعماق الشخصية، ما يمنح العمل كثافة جمالية ونفسية لافتة. في المشهد الختامي، يتكثّف البعد الرمزي حين تقدم "راضية" بنسختيها على تغطية جسد الزوج بغطاء أبيض أقرب إلى الكفن، في دلالة على موت العلاقة. ويكشف هذا الفعل عن لحظة توحد داخلي نادرة، تتحول فيها الشخصية من ذات متشظية إلى ذات حاسمة. ويترك هذا المشهد المتلقي أمام أسئلة وجودية مقلقة: لماذا لا نرتاح إلا بعد أن نكسر أجمل ما فينا؟ ولماذا نؤجل الحقيقة حتى تتحول إلى فقد لا يُستدرك؟ وهل "الممانعة" قدر إنساني نعيد إنتاجه في كل علاقة؟ هكذا، ينفتح العرض على أفق تأملي عميق، حيث تغدو "الممانعة" بنية وجودية تؤجل الاعتراف، وتكشف أن الإنسان يعيش دائماً بين ما هو كائن وما يتوهم أنه كان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية