عربي
يستطيع زائر المدن الفرنسية ملاحظة وجود صناديق تمتلئ رفوفها بالكتب في شوارعها وحدائقها، توقظ في داخله شعوراً بيوتوبيا ثقافية، فالكتب متاحة للجميع، دون تقييد أو رسوم أو مراقبة، في ظاهرة قليلا ما يُعثر على مثيل لها خارج الفضاء الأوروبي. نتحدث هنا عن صناديق برفوف أنيقة، هي أشبه بمحطات، يقوم بإنشائها أفراد أو جمعيات، ضمن أنشطة المجتمع المدني، تتيح لسكان الشارع الذي توجد فيه الحصول على كتب يقرأونها مجاناً، في الوقت الذي يريدون. يكفي المرء أن يتوجه نحو الصندوق، فيأخذ منه كتاباً يعجبه، ثم يعيده حين ينتهي منه. ويمكنه أيضاً أن يساهم عبر وضع كتب من مكتبته الشخصية، ولا سيما تلك التي انتهى منها وتراكم الغبار عليها، كي يستفيد منها الآخرون.
صناديق الكتب انتشرت بشكل لافت في المدن الفرنسية، منذ عام 2017 وصار عددها اليوم يقارب عشرة آلاف. يتفق دارسو التجربة على فعاليتها، وأن المستفيدين منها هم من ينهض بها، أي أنها لم تنجح من دون اهتمام المجتمعات المحلية، لكنها خلقت أسئلة تستحق البحث عن إجابات حولها، حيث تمثل في جانب منها مقاربة فلسفية لحرية القراءة، وردة فعل على المكتبة الرسمية بما هي مؤسسة ذات قوانين محددة، كبطاقة الهوية والاشتراك، أما الصندوق فلا يطلب شيئاً من هذا. وهو يسمح للقارئ أن يفعل ما يريد وحيث يريد، بينما يضطر المرء في قاعات القراءة إلى الصمت وتجنب إزعاج الآخرين، وإذا كانت المكتبة تلحّ على مستعيري الكتب أن يعيدوها ضمن أجل محدد وإلا غُرّموا، فإن ما يلحّ على القارئ المستفيد من الصندوق هو مزاجه، ورغبته في الحصول على الكتاب الجديد، بعد أن ينتهي من القديم.
الفروق هذه لا تجعل الصندوق بديلاً مباشراً للمكتبة، لكنها تضعه في موقع يربكها قليلاً، فنجاح هذه المبادرات، يكشف عن ممارسة ثقافية تعمل خارج منطق التنظيم الرسمي. أي أن الصندوق لا ينافس المكتبة من حيث الوظيفة أو الغنى المعرفي، لكنه يطرح سؤالاً ضمنياً حول الحاجة إلى وسيط مؤسسي لتداول الكتاب؟
تكشف توجهات القراء وأمزجتهم من دون استبيانات الرأي
من جهة أخرى، تكشف دراسات اجتماعية، أن مستخدمي هذه الوسيلة هم قرّاء فعليون، يمتلكون علاقة قائمة مع الكتاب، ويجدون في الصندوق نمطاً مكمّلاً أو بديلاً مرناً. الفكرة بذاتها تبدو وكأنها فعل تخيّلي موحٍ، لأن كل كتاب قد يصل إلى يد قارئ لم يكن من المفترض أن يلتقيه، وكأن الصندوق علبة سحرية تعيد ترتيب مصائر القراءة على نحو عشوائي ومدروس في آن، خاصة حين لا يعرف القارئ ما الذي تخبئه له المصادفة، فالأمور متروكة للآخرين وما يقررون أن يضعوه، أي أن الحظ هو اللاعب الرئيس في اختيار الكتاب، وهذا شيء لو أضيف إليه قليل من الخيال، لفتح المجال لأفكار روائية مختلفة تتعلق بنسق أعمال أدبية متصلة بالكتب والمكتبات والقراءة.
المجتمع المحلي المساهم يمكن أن يخلق أيضاً مزاجية معينة يتوافق أفراده عليها دون اتفاق مسبق، فيُعرف صندوق ما بأنه يحتوي كتباً بلغة محددة، بينما تتركز كتب الطبخ في آخر، وكتب الفنّ في ذاك الذي يقع في أول الشارع. غير أن البعض ممّن يمرّون على الصناديق يومياً، يرى أن أهميتها تتأتى من إمكانية معرفة توجهات القراء وأمزجتهم من دون استبيانات الرأي، وأيضاً في تقديم تجارب مجهولة لبعضهم، دون الاعتماد على ترشيحات الصحف، أو على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن هذه العفوية الظاهرة لا تخلو من مفارقات، فمحتوى الصناديق يعكس غالباً طبيعة الأحياء التي توجد فيها. إذ تزدحم الرفوف بكتب حديثة ومتنوعة في المناطق الميسورة، بينما تميل في أحياء أخرى إلى احتواء كتب قديمة أو مدرسية. وهنا يظهر سؤال: هل تعيد هذه الصناديق إنتاج الفوارق الثقافية نفسها التي يُفترض بها تجاوزها؟ رغم ذلك، تبدو صناديق الكتب كأنها احتفاء بسيط بفكرة المشاركة الثقافية، يفتح أفقاً لقراءة أكثر حرية.

أخبار ذات صلة.
واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز
الشرق الأوسط
منذ 9 دقائق
سورية على خطى باكستان أم في عباءة تركيا؟
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة