عربي
في الحروب الكبرى، لا تُحسم المعارك على الأرض فقط، بل تُحسم في الوعي، وما يجري اليوم في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران يكشف أنّ ساحة الإعلام العربي لم تكن مجرّد ناقلٍ للأحداث، بل تحوّلت إلى جبهة موازية، تعكس أزمة أعمق من مجرّد انقسام في التغطية: إنّها أزمة في تعريف المصلحة ذاتها.
لم يعد السؤال الذي يتردّد في الفضاء العربي: ماذا يحدث؟ بل أصبح: مع من نحن؟ ومع هذا التحوّل، انزلقت النُخب الإعلامية والسياسية والثقافية إلى ثنائية حادة: إمّا الانحياز لإيران بوصفها قوة "مقاومة" إسلامية، أو الاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل تحت مبرّرات "الواقعية السياسية" أو الخوف من التمدّد الإيراني. وفي الحالتين، غابت نقطة الارتكاز الأساسية: أين تقف المصلحة العربية في هذا الصراع؟
هذا الانقسام لا يعكس رؤى فكرية أو "الرأي والرأي الآخر"، بقدر ما يكشف فراغاً استراتيجياً. فالإعلام، الذي يُفترض أن يكون أداة تفسير وتفكيك، تحوّل إلى أداة اصطفاف، تُعيد إنتاج الاستقطاب الإقليمي داخل المجتمعات العربية نفسها. وهنا تسلّلت الحرب إلى داخل الوعي العربي بما هي حرب سرديات، وتحوّلت معها المجتمعات إلى ساحات صراع رمزي بين محاور لا تنتمي إليها فعلياً.
تحوّل النقاش من مساءلة المشاريع الخارجية إلى التماهي معها
بالطبع، لا تختلف قوى النزاع الإقليمي كثيراً في نظرتها للمنطقة، فالولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تشكيل الإقليم وفق منظومة هيمنة تضمن تفوّق "إسرائيل" ودمجها بوصفها قوّة مركزية، بينما تعمل إيران على تكريس فضاء نفوذ يمتدّ عبر دول عربية. كلا المشروعين (على اختلاف أدواتهما) ينطلقان من مركزية مصالحهما، لا من الاعتراف بالفاعلية العربية أو احترام استقلالها.
غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ الإعلام العربي، بدل أن يكشف هذه الحقيقة، انشغل بتغذية سرديات أحد الطرفين أو الترويج لها، أو الوقوع في فخ المقارنة بين "الأقل ضرراً". وهكذا، تحوّل النقاش من مساءلة المشاريع الخارجية إلى التماهي معها، ومن التفكير في موقع العرب فاعلاً إلى القبول بدورهم موضوعاً للصراع.
لقد أظهرت التغطيات الإعلامية خلال هذه الحرب نزعة واضحة نحو الانتقائية، حيث تُبنى الروايات وفق ما يتناسب مع الأجندات السياسية للدول أو الجهات الراعية. فالمعلومة لم تعد قيمة في ذاتها، بل بقدر ما تخدم سردية مسبقة. ومع تصاعد الحرب، تراجعت الموضوعية لصالح إدارة "الانطباع"، وأصبح المُتلقي العربي مضطراً للتنقل بين عشرات القنوات والمنصّات، لا بحثاً عن الحقيقة، بل لمحاولة تركيب صورة شبه متماسكة من جملة مشاهد مُتناقضة.
التقديرات التي بشّرت بانهيار سريع لإيران سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيد
بل إنّ بعض الخبراء والمُحلّلين سقطوا في فخ المبالغة، حين تعاملوا مع الحرب بمنطق الحسم السريع، مُتجاهلين حقائق جيوسياسية مركّبة، فالتقديرات التي بشّرت بانهيار سريع لإيران سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً، كما أنّ قراءة مؤشّرات جزئية (مثل وتيرة إطلاق الصواريخ أو اغتيال القيادات) تحوّلت إلى استنتاجات مُتسرّعة حول سرعة انهيار النظام أو تحقيق نصر قريب. هذه الأخطاء لا تعكس فقط خللاً في التحليل، بل تؤشّر إلى خضوع الوعي التحليلي ذاته لضغط السرديات المُسبقة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أنّ الإعلام، في كلّ مكان، ليس بريئاً أو مُحايداً بالكامل، فهو بطبيعته مرتبط بمصالح وهياكل تمويل وسلطة، لكن الفارق يكمن في قدرة بعض النظم الإعلامية على الحفاظ على حدٍّ أدنى من التعدّدية والتوازن، بينما يعاني الإعلام العربي من قيود إضافية، تتراوح بين الرقابة المباشرة والخطوط الحمراء غير المُعلنة، ما يحدّ من قدرته على إنتاج خطاب مستقل.
ومع ذلك، فإنّ المشكلة لا تُختزل في القيود فقط، بل في غياب الإطار الفكري الجامع. فالإعلام العربي يتحرّك داخل مساحة رمادية، يحاول فيها تفادي الانحياز الصريح، لكنه في الواقع يقع في انحياز ضمني، لأنّه لا يمتلك مرجعية واضحة تُعيد تعريف الحدث من زاوية عربية مستقلة، فيصبح الحياد الظاهري شكلاً من أشكال العجز، لا تعبيراً عن التوازن.
إنّ أخطر ما كشفته هذه الحرب الإعلامية هو أنّ العرب، كجماعة سياسية وثقافية، لم يحسموا بعد موقعهم في العالم.
إنّ أخطر ما كشفته هذه الحرب الإعلامية هو أنّ العرب، بوصفهم جماعة سياسية وثقافية، لم يحسموا بعد موقعهم في العالم. فبدل أن يكون السؤال: كيف نعيد بناء توازن إقليمي يحفظ مصالحنا؟ أصبح: أيّ مشروع خارجي يمكن التعايش معه؟ وهذا التحوّل من الفاعلية إلى التبعية هو جوهر الأزمة.
الدفاع عن المصلحة العربية لا يعني الانحياز الأعمى ضدّ طرف أو مع آخر، بل يقتضي أولاً تفكيك أوهام الاصطفاف، والاعتراف بأن الصراع القائم (مهما اختلفت مبرّراته وغاياته) يدور في جزء كبير منه فوق الأرض العربية وعلى حسابها. كما يقتضي إعادة تعريف دور الإعلام، من كونه ناقلاً لصراع الآخرين إلى كونه أداة لبناء وعي نقدي مستقل، يضع المصالح العربية في مركز التحليل، لا في هامشه.
واقعياً: ليست المشكلة في إنّ الإعلام العربي مُنقسم، بل الطامة أنّه منقسم حول الآخرين، لا حول ذاته. وما لم يُستعد هذا المركز الضائع (مركز المصلحة العربية)، فإنّ كلّ حرب قادمة، عسكرية كانت أم إعلامية، ستجد العرب، مرّة أخرى، ساحةً لا لاعباً، وصدىً لا صوتاً.
أخبار ذات صلة.
السويسري شيرر حكماً لموقعة سان جيرمان وبايرن
الشرق الأوسط
منذ 10 دقائق