عربي
بينما تركز جهود إعادة الإعمار في سورية على الاقتصاد والبنية التحتية، يتشكل تهديد أقل وضوحاً لكنه أكثر عمقاً، فالأزمة البيئية المتفاقمة قد تعيد إنتاج التوتّرات الاجتماعية في مرحلة انتقالية هشة. وبعد أكثر من عام على سقوط نظام بشّار الأسد، تبدو سورية على أعتاب مرحلة انتقالية واعدة؛ إذ عاد أكثر من 1.48 مليون لاجئ وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في يناير/ كانون الثاني الماضي، وانحسرت العقوبات الدولية، وبدأت بوادر استثمارات خليجية في إعادة الإعمار، مع تقدم تدريجي نحو توحيد المؤسسات والأراضي.
لا تسعى هذه المطالعة إلى تفسير ما جرى في سورية، ولا إلى اختزال عقد من الصراع في عوامل مناخية أو بيئية؛ فالاستبداد والفساد وانسداد الأفق السياسي هي المحرّكات الأساسية لما عاشته البلاد.
تحاول هذه المطالعة قراءة ما ينتظر سورية: التحدّي البنيوي الذي يهدد المرحلة الانتقالية قبل أن تتوطد، والمتمثل في الضغط البيئي المتزايد الناتج من شحّ المياه، والتلوث النفطي، والصيد الجائر، والحرائق، والرعي المفرط. وهي تحديات لم تعد قضايا تنموية أو بيئية منفصلة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن البيئي (Environmental Security)، أي قدرة الدولة والمجتمع على إدارة الموارد الطبيعية بطريقة تمنع تحوّل الضغوط البيئية إلى عوامل عدم استقرار سياسي أو اجتماعي. وقد كشفت دراسات المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسّطة المدى أن شرق المتوسّط بات من أكثر مناطق العالم عرضةً للجفاف المتكرر نتيجة تغير المناخ.
من التدهور إلى التوتّر الاجتماعي
يمكن فهم طبيعة المخاطر البيئية عبر مسار سببي واضح أثبتته التجارب الدولية في دول ما بعد النزاع: فالجفاف المستمر، والتلوث، والحرائق، والرعي الجائر تؤدّي جميعاً إلى تراجع الإنتاج الزراعي، فيفقد المزارعون مصادر رزقهم، ومن ثم تتصاعد الهجرة الريفية، فترتفع البطالة الحضرية، وتتصدّع بنية التماسك الاجتماعي؛ وهو تسلسل وثّقته أبحاث متعددة في سياقات مختلفة تمتدّ من السودان إلى اليمن. وما يجعل الحالة السورية أشد حساسية تقاطع هذا المسار مع مرحلة انتقالية هشّة لم تتوطد فيها المؤسسات بعد، ما يضاعف قدرة الضغوط البيئية على إشعال التوترات الاجتماعية أو استغلالها من قوى مزعزعة للاستقرار.
نحو 72% من النزاعات المحلية المرصودة في ريف دمشق الشرقي ترتبط بالمياه والأراضي، وهو رقم يلوّح بأن البذرة الأولى لموجة هجرة ريفية جديدة ربما بدأت
أرقام تعكس حجم الأزمة
رصد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقاريره أخيراً أن منسوب المياه الجوفية في محيط دمشق انخفض بأكثر من 65 متراً خلال العقدين الماضيين. وتحوّل نهر بردى، الشريان التاريخي للعاصمة، إلى مجرى شديد التلوث في أجزاء واسعة منه جرّاء الصرف الصناعي وانهيار شبكات معالجة المياه. كما وثّقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن سورية فقدت نحو 30% من غطائها الحرجي منذ عام 2011 نتيجة الحرائق والقطع غير القانوني للأشجار.
وفي حوض الفرات والجزيرة السورية، تفيد تقديرات المنظمة نفسها بأن إنتاج القمح والشعير انخفض بنسب تراوحت بين 40% و60% مقارنة بالمتوسط التاريخي لمطلع الألفية. وعلى صعيد الإنسان، يُقدّر برنامج الغذاء العالمي أن نحو 14.5 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي أو المائي الحاد. وقبل الحرب، كانت الزراعة تمثل نحو 20%–25% من الناتج المحلي الإجمالي، وتُشغّل قرابة ربع القوى العاملة السورية وفق بيانات البنك الدولي. أما الجفاف الذي اجتاح البلاد عام 2025، فقد أفضى إلى عجز في إنتاج القمح يُقدَّر بنحو 2.7 مليون طن متري، وهو ما يكفي نظرياً لتغطية الاحتياجات الغذائية السنوية لأكثر من 16 مليون شخص.
وفي مناطق سورية متعددة، بدأت آثار التدهور البيئي تتجلى في الحياة اليومية بصورة ملموسة؛ ففي قرية جدوعة قرب سلمية بريف حماة، جفّت آبار زراعية رئيسية ما دفع بعض المزارعين إلى بيع مواشيهم أو هجر أراضيهم. وفي ريف دير الزور، تراجع إنتاج القمح إلى نحو سدس مستواه السابق جراء انخفاض تدفق مياه الفرات وتدهور شبكات الري. وفي ريف كوباني، بدأ مزارعون يتخلون عن الزراعة كلياً بسبب ارتفاع تكاليف الري وتراجع العائد الاقتصادي.
والأكثر دلالةً ما رصده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقاريره الميدانية عام 2025، إذ تبيّن أن نحو 72% من النزاعات المحلية المرصودة في ريف دمشق الشرقي ترتبط بالمياه والأراضي، وهو رقم يلوّح بأن البذرة الأولى لموجة هجرة ريفية جديدة ربما بدأت تنبت في ظل غياب تدخلات فعّالة وعاجلة.
تسارع التصحّر والتلوث النفطي
شهد الساحل السوري خلال عام 2025 موجات حرائق واسعة التهمت آلاف الهكتارات من الغابات في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة. وتشير بيانات منظمة Global Forest Watch إلى احتراق أكثر من 16.6 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية، فيما سُجّل أكثر من 2100 حريق حراجي وزراعي خلال العام الواحد. وفي البادية الشرقية والجزيرة السورية، أدى الرعي الجائر والفلاحة غير المنظمة إلى تسارع التصحر وتدهور المراعي الطبيعية، مما ساهم في زيادة شدة العواصف الترابية في مناطق دير الزور والحسكة.
وفي مناطق إنتاج النفط بدير الزور والحسكة والرقة، تعرّضت البنية التحتية النفطية لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى تسربات متكرّرة وتلوث واسع للتربة والمياه. ورصد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في وثائقه الصادرة بين عامي 2023 و2024 ثلاثة أشكال رئيسية لهذا الإرث البيئي الثقيل: تسرّب مركبات هيدروكربونية ومعادن ثقيلة إلى نهر الفرات وروافده، ما يهدد مياه الشرب والري لملايين السكان. تشكّل بحيرات نفطية ملوثة في بعض الحقول تحول دون نمو النباتات لسنوات طويلة. انبعاث غازات سامة وجسيمات دقيقة من عمليات التكرير البدائي، تحتوي على مركبات مسرطنة كالبنزين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.
الصيد الجائر والمياد سلاحا
تواجه الموارد السمكية في سورية تراجعاً حادّاً نتيجة الصيد الجائر وغير المنظم؛ ففي الساحل السوري، أدى استخدام الشباك المحظورة والمتفجرات إلى استنزاف المخزون السمكي بصورة ملحوظة، فيما أدى الصيد بالسموم والكهرباء في نهر الفرات إلى تدمير أجيال كاملة من الأسماك الصغيرة. وقد جمعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) شهادات صيادين محليين تُفيد بأن كميات الصيد اليومية انخفضت بنسبة تتراوح بين 60 و80% مقارنة بعقد 2010.
ولا يمكن فهم الأزمة المائية في سورية بمعزل عن بعدها الإقليمي العابر للحدود؛ فنهر الفرات، الذي يُمثّل شرياناً حيوياً لنحو 15 مليون سوري، يخضع لمعادلة قوة غير متوازنة تحكمها تركيا من المنبع. يضم مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) أكثر من 22 سداً، في مقدمتها سد أتاتورك الذي تبلغ طاقته التخزينية نحو 48 مليار متر مكعب. وقد انخفض تدفق الفرات عند الحدود السورية التركية في بعض السنوات إلى أقل من 500 متر مكعب في الثانية، مقارنة بمتوسّط تاريخي يتجاوز 800 متر مكعب وفق ما ترصده محطة جرابلس المائية.
وتدخل سورية المفاوضات المائية من موقع ضعف مزدوج: فمن الشمال تواجه التحكم التركي في منابع الفرات، ومن الشرق ترتبط بالعراق الذي يعاني من ضغوط مائية مشابهة، ومن الداخل تفتقر إلى سلطة مركزية راسخة قادرة على التفاوض باسم الدولة. وعلى الرغم من أن اتفاقية عام 1987 بين تركيا وسورية حددت حصة سورية بـ 500 متر مكعب في الثانية، فإن هذا الرقم لم يُلتزم به دائماً، كما أنه يظل دون المستوى الكافي لتلبية الاحتياجات الزراعية في ظل الجفاف المتصاعد.
ثمة نافذة دبلوماسية قد تفتحها المرحلة الانتقالية؛ فتركيا أبدت اهتماماً ببناء علاقات مع الحكومة السورية الجديدة، وهو ما يمكن توظيفه للمطالبة بمراجعة الاتفاقيات المائية ضمن إطار تفاوضي شامل. وتُلهم التجربة العالمية في هذا السياق من اتفاقية مياه النيل إلى معاهدة السند بين الهند وباكستان بأن المؤسّسات المشتركة لإدارة الأنهار العابرة للحدود يمكن أن تُحوّل التنافس على المياه من منبع توتّر إلى أداة استقرار إقليمي.
ليس الخيار أمام سورية بين الاهتمام بالبيئة أو تجاهلها، بل بين دفع تكلفة الإدارة البيئية المدروسة الآن، أو دفع تكلفة الانهيار الاجتماعي لاحقاً؛ وهي فاتورة أثقل بكثير
هل البيئة أولوية حالياً؟
يرى فريق من صانعي القرار والمانحين الدوليين أن ربط إعادة الإعمار بالاشتراطات البيئية ترف لا تتحمّله دولة تسعى أولاً إلى الاستقرار الأمني وإعادة تشغيل اقتصادها، وأن الأولويات ينبغي أن تنصبّ على البنية التحتية والتعليم والصحة، لا على سياسات مناخية معقدة التطبيق ومكلفة التمويل. ويحمل هذا الاعتراض منطقاً واقعياً يستحقّ الجدّية، غير أنه يرتكز على تقاطع زمني وهمي بين الأولويات، وكأن تحقيق الاستقرار والاهتمام البيئي أمران متنافيان، في حين أن الوقائع تُثبت العكس. فقد وثّق فريق من الباحثين بقيادة كولن كيلي في دراسة نُشرت في المجلة العلمية الأمريكية PNAS عام 2015، أن موجة الجفاف التي اجتاحت سورية بين عامي 2006 و2010 ساهمت في نزوح نحو 1.5 مليون مزارع نحو المدن، وضخّت وقوداً اجتماعياً في صراع لاحق. ولن يعيد إهمال هذا الدرس في مرحلة إعادة الإعمار التاريخ فحسب، بل سيُكرّره بشكل أكثر مرارة؛ إذ ستجد الدولة الانتقالية الهشة نفسها أمام توترات متراكمة اجتماعية ناجمة عن نزاعات مياه وأرض قبل أن تُكمل بناء مؤسّساتها. ... والمعادلة الحقيقية ليست مسألة بيئة أو استقرار، بل هي: إدارة بيئية ذكية الآن أم أزمات اجتماعية أكثر كُلفةً لاحقاً؟
إعادة إعمار أخضر
شهد موسم الأمطار 2025- 2026 تحسناً ملحوظاً، إذ بلغت كميات الهطول في بعض المناطق نحو 60% من المعدّل السنوي حتى فبراير/ شباط الماضي. غير أن هذا التحسّن لا يعوّض عقداً من التراجع التراكمي في المياه الجوفية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتصاعد معدلات التبخر التي يرصدها برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لرصد المناخ.
ورغم خطورة التحديات، تفتح مرحلة إعادة الإعمار نافذة لسياسات بيئية أكثر استدامة. فقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أكثر من 550 ألف متر مكعب من الركام الناتج من الحرب أُعيد تدويره حتى الآن. وتنتشر مبادرات تشجير وطنية كـ "غرسة وطن" و"دمشق خضراء"، فيما تُشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تقنيات الري بالتنقيط توفر ما يصل إلى 60% من المياه مقارنة بالري السطحي التقليدي. كما يمكن لسورية الاستفادة من صندوق المناخ الأخضر المتاح للدول الخارجة من النزاعات والذي لم يُستغل بعد بالقدر الكافي.
توصيات للمرحلة الانتقالية
• إنشاء هيئة وطنية عليا للموارد المائية والبيئة تتبع أعلى مستوى حكومي لضمان التنسيق المؤسسي.
• إصدار قانون شامل لإدارة المياه والثروة السمكية يمنع الاستغلال غير المنظم للموارد.
• توجيه جزء من الاستثمارات الدولية نحو مشاريع الإدارة المستدامة للمياه والطاقة المتجددة.
• إدماج التعويضات البيئية ضمن برامج العدالة الانتقالية للمزارعين والصيادين المتضررين.
• إشراك المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في إدارة الموارد الطبيعية عبر تعاونيات المياه ولجان إدارة البيئة.
• فتح مسار تفاوضي مع تركيا حول تقاسم مياه الفرات في إطار القانون الدولي للمياه.
وليس الخيار أمام سورية بين الاهتمام بالبيئة أو تجاهلها، بل بين دفع تكلفة الإدارة البيئية المدروسة الآن، أو دفع تكلفة الانهيار الاجتماعي لاحقاً؛ وهي فاتورة أثقل بكثير. يُقدّر البنك الدولي أن تكلفة التدهور البيئي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبلغ ما بين 3% و5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً. وفي اقتصاد ناشئ كالاقتصاد السوري الساعي إلى استعادة عافيته، يُمثّل هذا النزيف البطيء عائقاً بنيوياً أمام أي مسار تعافٍ مستدام.
الدرس الذي كان ينبغي تعلّمه من جفاف 2006–2010 لم يُستوعَب بشكل كافٍ حين اندلعت الأزمة. اليوم، وبعد كل التكاليف الباهظة التي دفعتها سورية وشعبها، يغدو تكرار هذا الإخفاق في تجاهل الضغوط البيئية ومخاطرها على التماسك الاجتماعي أمراً لا يحتمل الاعتذار عنه.
ليس الأمن البيئي في سورية ملفاً تقنياً يُحال إلى لجان خبراء؛ إنه قضية سياسية بامتياز تستوجب قراراً سياسياً رفيعاً. والمرحلة الانتقالية بكل ما تحمله من هشاشة هي في الوقت نفسه اللحظة الوحيدة التي يمكن فيها إرساء قواعد مختلفة قبل أن تتكلس الأنماط القديمة من جديد. الأرض السورية تحمل من الجروح ما يكفي، والمطلوب اليوم ألا تُضاف إليها جروحٌ كان بالإمكان تجنبها.
