عربي
وُلدتُ في دمشق، وبإثباتٍ حكوميٍّ جئتُ إلى الحياة في أحد مشافيها. عشنا هناك، في المدينة، لكن أبي، الأستاذ إبراهيم، لم يسمح يوماً لهذه الحقيقة أن تستقرّ في وعينا. كان مصراً، بلا نقاش، على أننا أولاد قرية. لم يكن ذلك رأياً للتداول أو فكرة تُناقش، بل ممارسة يومية تُفرض. عاملنا أنا وأخي على هذا الأساس، ودرّبنا، من دون شرح أو تبرير، على المهام التي رأى أنها تليق بأولاد الريف: الفلاحة، سقاية الأرض، قطاف التفاح، وحتى التعامل مع حيوانات لا نملكها. كنا نتقن حركات لم نولد في فضائها، ونتعلم أسماء أشياء لا تخصّ حياتنا المدينية. أما الجحش، فلم نجرؤ مرةً على وصفه بالحمار؛ الكلمة محرّمة، وعقابها استهزاءٌ قاسٍ من الجميع، كباراً وصغاراً. اللغة نفسها خضعت لقانون أبي القروي.
أبي، الذي عاش حياته فلاحاً في الروح والممارسة، وكي لا يسلم من شماتتنا الخفية، ظل في الشام طوال عمره، إلا شهراً كل صيف يعود فيه إلى مقلس، "عروسه"، ليكونها وتكونه، ويكون ابنها الذي غادرها في الثامنة عشرة، لا لغواية دمشق، بل ليدرس، وليتخرج لاحقاً من كلية الحقوق. لكنه، بعد حروب كبيرة وانقلابات عسكرية لا تُعد، لم يشكك يوماً في انتمائه وهويته لتلك الكيلومترات ضئيلة العدد. ظل يحمل القرية في صوته، وفي يديه، وفي تصوراته عن الأخلاق والعمل. وكان تهديده الأبدي لنا: "أنا تارك الشام وراجع ع ضيعتي". لم يفعل. مات في دمشق، المدينة التي عاش فيها حتى الموت.
تقتلنا الهويات. بتنا أذكى من أن يفوتنا ذلك. فليس خافياً أن سؤال أواننا هو سؤال الهوية، حيث من ذاك السؤال تتعربش مئات المفاهيم على حيطان الوقت: الأصل، البلد الأم، النشأة، الجغرافية، والحدود. وها نحن، بسبب النزوح الذي يأكل هوياتنا، نبحث في التاريخ، والدين، وعلوم الاجتماع، وفي اللغة.
في مقلس، قريتي الهاجعة قرب تلال الغيم، ومنذ بدء الزمن، مُنح لقب الحاج لسبب لم أجد غنائية أكثر منه: فكل من زار بيت لحم في فلسطين حمل وسام الحج على صدره، وأُدمغت فيه حكاياته. هكذا صار زوج عمتي ماري وعمّ أبي عطية حُجّاجاً، لا لطقس ديني فقط، بل لعبور حدود لم تكن قد أُغلقت بعد.
في العربية، الغريب هو البعيد عن وطن أو أهل. وهو أيضاً ما هو غير مألوف أو معتاد، وقد يدل على المنفرد أو الوحيد. بحيث يشمل هذا المعنى كل من خرج عن دائرة الألفة، أكان إنساناً أم لفظاً أم سلوكاً. فالغربة لم ترتبط مرة بالحدود السياسية وحدها، بل بكل مسافة تفصل الإنسان عن فضاء انتمائه. أما حدود البلاد التي يقف عليها الغريب، فهي خطوط جغرافية وقانونية ورمزية، لكنها أيضاً أنظمة هويات تدور في فلك الجغرافية، في تيهها. كلما ابتعد الغريب، واشتبكت خطوط حياته بأسلاك الحدود، تشكّلت الهوية التي يحملها خارج اليقين، هناك، في قلب إشكال عاصف. يظهر الغريب مصلوباً، يمشي طريق جلجلته بانتماءٍ في ذاكرة القلب، وآخر على جوازات السفر والخرائط.
اليوم، ترمي إسرائيل قنابلها على لبنان وحدود السوريين مغلقة. خطٌّ واحد رُسم غامقاً، استعاد فجأة كل ثقله الرمزي، كأنه لم يكن مجرد خط على الخريطة، حضر مثل فاصل بين ما كان ممكناً وما صار مستحيلاً، الذاكرة، برغم ما جرى، اعتادت العبور بين قرابات وصداقات ونسب. اليوم، أوجعتْ من لم يعتدها، أوجعتني أنا أيضاً. فمن يعتاد على حدود مغلقة بين لبنان وسورية، حتى لو كان قلبه قدّ من نسيان؟
