سمير حسين: تنقصنا أعمال ساخرة وأعمل لتأمين جهة إنتاج عمل عن فلسطين
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
نشأته فلسطينيّاً سوريّاً، أو العكس، جعلت من المخرج سمير حسين يذهب في الدراما التلفزيونية نحو جدلية بصرية مختلفة مع أعمال شكلت تياراً فنياً جريئاً على مستوى الطرح والتفكير بالكادر التلفزيوني، مطوّراً من فهم سيكولوجية الصورة ووظيفتها الاجتماعية لدى الجمهور. يجيب سمير حسين على أسئلة في هذه المحاورة تُساعد في التعرّف إلى الأدوات التي يستخدمها في أعماله، وخططه المستقبلية. الإخراج إيجاد حل لمشكلة النص. وهذا الكلام يعني بداية إيجاد الحلول الفنية القادرة على بناء علاقات بصرية داخل الكادر التلفزيوني من دون الانجرار إلى الثرثرة البصرية *استراحة المحارب طالت.. هل هو زهدٌ في الكاميرا، أم أن "السوق" لم يعد يتّسع لعدسة تبحث عن الحقيقة؟ لا هذا ولا ذاك. توقفت الدراما التلفزيونية عن أن تكون أبرز وسائل الإعلام الجماهيري. توقفت تلك الأعمال التي ناصرتها أكثر من 30 عاماً، والتي كانت، في جزء كبير منها، تحمل راية التنوير والإضاءة على مجتمعات مهمّشة ومشطوبة من نشرات الأخبار. نعم لقد غبت مع من غابوا، لأن جزءاً كبيراً مما ينتج حالياً أمسى مسلسلاتٍ أقرب إلى صفقات البزنس. صفقات تبرمها شركاتٌ تتحالف مع نجوم من الصف الأول، رفقة مخرجين أقرب إلى "الصنايعية". لا أتهجّم على أحد، ولا أريد أن يفهم من كلامي أن غيابي أربع سنوات جعلني متحاملاً على أحد، لا أبداً. لطالما حذّرتُ في حوارات صحافية ولقاءات إعلامية من خطر انحدار الذائقة وتعميم الرداءة في مسلسلات التلفزيون، والتي تعلم كما يعلم الجميع أنها كانت نافذة الضوء شبه الوحيدة لنا بوصفنا فنانين زمن النظام البائد. لكن من أسف كل صرخاتنا أنا وبعض الزملاء من مخرجين وكتّاب وممثلين ذهبت أدراج الرياح. كان من الممكن أن يلعب المسلسل التلفزيوني دوراً أكثر جوهرية في إيقاظ الوعي وحماية الذائقة. لستُ حارساً أخلاقياً على أحد، لكن معظم ما أشاهده اليوم تخلّى عن الشرط الفني، بل وقل المهني، لصالح ما بات يعرف بدراما التريند. دراما لا تستطيع أن تستعيد حلقة منها. إنها إنتاج للاستعمال لمرة واحدة فقط. أعتقد أن أحد أبرز أسباب اضمحلال الدراما التلفزيونية السورية هو رغبة معظم صناعها أن يواكبوا نجوم "السوشال ميديا"، فتحوّل جزءٌ ممن يسمّون نجوم هذه الدراما إلى تقليد عمل المؤثّرين (تكتوكرية ويوتيوبرية) وسواهم. *كيف استطعت صهر التكنيك السينمائي الغربي الذي درسته في بريطانيا داخل قوالب درامية محلية شديدة الخصوصيّة مثل "قاع المدينة" و"ووراء الشمس" من دون أن يفقد العمل أصالته؟ بكل بساطة، تعاملت مع الكاميرا كقلم. كتبت كل كادر بنخاعي الشوكي. الأمر يبدأ من النص طبعاً، لكن الإخراج ليس مهارة تقطيع بين لقطتي "الكلوز" والعامة. الإخراج فلسفة ووعي فني عميق للواقعين الفني والموضوعي. إن لم يكن الإخراج كذلك فهو سقط متاع لحرفيين ورثوا المهنة كما تورّث حرف صناعة البقلاوة والمشبك وكول وشكور. بهذا المعنى لم أكن يوماً وريثاً، ولا أطيق هذا النوع من العلاقات. التكنيك السينمائي الغربي للإخراج لا يحتمل الشعوذة في اللقطات والمشاهد ولا يركن لنمط بصري، بل يتجاوز ذلك لتقديم فهم عميق لصورة تنبش الواقع وتعيد بناءه ضمن العمل الفني. لقد أتيتُ من بريطانيا محمّلاً بأحلام كبيرة جعلتني أرفض التنازل عن أي شرط فني أو مهني. ربما هذا ما دفعني إلى تحقيق أعمال مثل "قاع المدينة" و"وراء الشمس" و"بانتظار الياسمين" الذي وصل إلى نهائي مسابقة، وينافس على ذهبية الأكاديمية الدولية للفنون التلفزيونية (الإيمي أوورد) في نيويورك لعام 2016، وهي جائزة عالمية تمنح للمسلسلات والبرامج التلفزيونية، وتماثل جائزة الأوسكار للأعمال السينمائية. أجل نافست الدراما السورية وقتها على المراتب الأربع الأولى في تلك الجائزة العالمية، وهذا ما أعتبره إنجازاً لدراما عربية حملت على عاتقها مواكبة آلام البسطاء والمسحوقين، ولا سيما أن "بانتظار الياسمين" تطرّق لأول مرة للنازحين والمهجرين في حقبة النظام البائد.   *في أعمالك، نلاحظ أن الكاميرا لا تكتفي بنقل الحدث بل تشارك في تفسيره، إلى أي مدىً يعيد المخرج كتابة السيناريو بعدسته، ومتى تصبح "الديكتاتورية البصرية" ضرورة فنية؟ تحدثنا عن فلسفة الإخراج، ودعني أوجزها بعبارة تعريف بسيطة، إن الإخراج هو إيجاد حل لمشكلة النص. وهذا الكلام يعني بداية إيجاد الحلول الفنية القادرة على بناء علاقات بصرية داخل الكادر التلفزيوني من دون الانجرار إلى الثرثرة البصرية. هكذا تمسي كل لقطة وكل مشهد سيناريو موازياً للسيناريو المكتوب. تفسير الواقع من خلال الإخراج ليس عملاً ذا جدوى. الأهم تفكيك البنية وإعادة تركيبها بما يعطي محلولاً بصرياً قابلاً للعيش ومشاكسة السائد وخلخلة البنى التقليدية. انطلاقاً من هذا الفهم، لا أترك لحظة تمرّ من دون تدخل إخراجي، سواء على صعيد توجّه أداء الممثلين، وهذه النقطة بالذات فن قائم بحد ذاته. فن إدارة الممثل أمام الكاميرا، في الماضي كانت الكاميرا تتابع وتتحرك تبعاً لحركة الممثل. واليوم يقول بعضهم إن الممثل يجب أن يتحرّك مع الكاميرا. أنا لا مع هذه ولا مع تلك. أنا بصفتي مخرجاً أرى أن يتحرّك الاثنان معاً. الممثل والكاميرا يعملان لإنجاز المشهد وتعميره وفقاً لمقتضيات الشرط الفني والدرامي، هذا ليس ديكتاتورية إطلاقاً، بل هو فهم أستقيه دائماً من طبيعة المشهد ومن النوع الفني الذي أدرك إطاره العام. العمل الفني عمل جماعي تساهم فيه عشرات الأدمغة الإبداعية سواء على صعيد التصوير أو التمثيل أو العمليات الفنية، لكن في غياب مايسترو سيتحول العمل التلفزيوني إلى فيديو كليب لهذا النجم أو تلك النجمة. الحس الكليباتي هنا ليس إخراجاً ولن يكون، بل يجب أن يعي المخرج ما يقوم به. وأن يعرف الخطوة التالية لحركة الكاميرا والزاوية التي يجب أن تؤخذ منه اللقطة. كل هذا ليس شعوذة ولا يمكن أن يكون. هذا علم بل قل علوم يدخل فيها علم نفس الصورة (سيكولوجيا الصورة) والتي تساهم في تقديم مجتمعات بأكملها للمتلقي ولشرائح متباينة في مستوياتها الاجتماعية والثقافية والمعرفية. هذا المعمل من الداخل. لا أطالب المشاهد أن يعرفه. وفي المقابل، على المخرج أن يعرفه ويعيه باعتباره أداة ضاربة في التأثير على الرأي العام وصياغة جماليات الصورة ونحتها بعيداً عن التزيين والزركشة والاستعراض الفارغ.  أين فلسطين، أين سورية، أين لبنان، أين العمال والفعّيلة والحرفيين وأرباب المهن التقليدية. لقد مارست الصورة التلفزيونية الراهنة تعمية قصدية على وجع الناس وآمالهم *يُقال إن المخرج "قائد أوركسترا"؛ فهل يمكن للموهبة الفطرية أن تعوض غياب المنهج الأكاديمي في زمن التقنيات الرقمية المعقدة؟  إطلاقاً. الموهبة مطلوبة، لكنها لا تكفي، لقد حرّرت المخيلة الأكاديمية الفن من المدارس والمدرسية الصارمة، وبتنا اليوم أمام مناهج مختلفة. الأكاديمية، أو قل دراسة الإخراج، ولا سيما في المدارس الغربية، ليست نهجاً تقنياً وحسب، بل هي تكوين وعي فني ثقافي وإدراك عميق لحركة التاريخ والواقع من حولك. لا يمكن أن ننجز فيلماً أو مسلسلاً مهماً من غير ذلك. علوم الإخراج والتصوير وكل المهن المرتبطة بها من مونتاج وعمليات فنية ليست شيئاً أمام اطلاع واسع على تاريخ الفن وتاريخ الشعوب التي أنتجته. أن تعرف موقعك من الفن في العالم هذا يتطلب خبراتٍ ومعارف عديدة. التاريخ واللغة والفنون ليست لها وصفة أو مسطرة واحدة نقيس عليها كل شيء. قد تفيد الفطرة أحياناً في تحقيق مصادفاتٍ عجيبة مع جمهور غير مطلع، لكن في نهاية المطاف لن تعمر هذه المصادفات طويلاً، بل ستمسي مع الزمن نوعاً من الاجترار لنمط أحادي في التفكير بالصورة والعالم. الموهبة هنا في فهم المدارس وامتصاصها وتحويلها إلى نظرة جديدة للحياة، ومن ثم اتخاذ موقف فني وجدلي من هذه الحياة. هذا لن يتم بسهولة وسيظهر في الخيارات الفنية وقدرة المخرج الأكاديمي على مطاردة موهبته وقدرته على تطوير أدوات جديدة مع كل تجربة تسند إليه أو يتصدّى لها. بهذا المعنى، الأكاديمية ليست شهادة فقط وليست موهبة فقط، بل هي كيمياء معقدة يخلص إليها الفنان عبر ممارسات وتأملات عميقة، سواء في تجارب الآخرين أو حتى في طبيعة الواقع الذي يريد عكس مفارقاته على الشاشة. *هل نجحت الدراما "البان عرب" في إيجاد هوية إبداعية جديدة، أم أنها مجرّد "ترند" تسويقي يفتقر العمق الإنساني الذي تميزت به الدراما الوطنية في عصرها الذهبي؟ مع كل نظرة خاطفة لما ينتج اليوم، سواء ما عرف بـ"بان عرب" أو سواها لا يمكن أن نعمّم، ولا يمكن إلا أن نتوقف على جدية الطرح التلفزيوني الجديد. أعتقد أن أبرز الغائبين هنا الصدق الفني، وذلك لما نشاهده من لغة بصرية معقّمة تسودها ديكورات فخمة وسيارات فارهة وأزياء وساعات باهظة الثمن. أتساءل اليوم عن المجتمعات العربية المشطوبة من كل هذا البذخ والبطر. أين الحروب والنزاعات والوقوف الطويل في طوابير الغاز والسكر والطحين. أين فلسطين، أين سورية، أين لبنان، أين العمال والفعّيلة والحرفيين وأرباب المهن التقليدية. لقد مارست الصورة التلفزيونية الراهنة تعمية قصدية على وجع الناس وآمالهم. ليس المطلوب طبعاً أن نصير نشرات أخبار أو أفلام وثائقية عن الحاضر المزمن الذي نحيا فيه، لكن على الأقل أن نشعر بأن هذه الصورة تخصنا، تعنينا، تهمنا. هذا غائب من أسف تحت ضغط طلبات السوق الجديدة التي كما قلت تنظر إلى الفن كبزنس وصفقات فاوستية عجيبة. عالم الأثرياء مثل عالم الفقراء على طرفي نقيض. لكن عوالم المافيا والقتل والدموية التي تصدر على الشاشات العربية أمرها عجيب. الأجنحة العسكرية للعائلات والطوائف والعشائر. القصص المفبركة عن بيئات بعينها. هذا التنميط المريب ولعبة الإخفاء العجيبة للكاميرا عن واقع بشرها وأناسها كله يمارس اليوم، في قسم كبير منه يمارس لتبييض الأموال وغسلها وكيها جيداً، كي الوعي وإلحاقه بزمن لا هوية له ولا خصوصيات اجتماعية. باختصار الوصفة الحالية أضاعت جهدي وجهد العديد من الزملاء لصنع دراما تلفزيونية قادرة على تحقيق التوازن بين الترفيه والفائدة. انظر فقط إلى الصورة التي يتم تصديرها في هذه الأعمال عن المرأة، عن الطفل، عن الرجل حتى. عن الريف والمدينة، عن الفقراء والبسطاء والشغيلة. إنها صورة مضللة ومنحرفة في قسم كبير منها.  *هل ترى في الدراما العربية المشتركة "جسراً ثقافياً" حقيقياً، أم أنها مجرّد "عمليات تجميل" لزيادة المبيعات على حساب المنطق الدرامي؟  لطالما كانت الدراما السورية مشتركة منذ أن عقدت هذا التعاون الوثيق مع شركات في الخليج العربي، وأنتج هذا نجاحاً كبيراً على مستوى التسويق والانتشار. المال الخليجي هو من صنع الدراما التلفزيونية السورية في جزء كبير منه. أما إن تقصد تلك الأعمال التي يشارك فيها لبنانيون وسوريون فهذه أيضاً موجودة، ولطالما تعاونت الدراما السورية مع فنانين خليجين ولبنانيين وجزائريين. لقد حققت هذا النوع من الأعمال في مسلسلي "ورد أسود"، وهو قصة تمتد حكاياتها من دمشق إلى الجزائر، وشارك في هذا العمل نجوم سوريون وجزائريون. تجربة لم نلو فيها عنق الحبكة ولم نبتذل في صياغتها، فنحن العرب نجسد مقولة للشاعر أحمد شوقي عندما يقول "كلنا في الهمِّ شرقُ". جزائريون كنا أم فلسطينيون أم لبنانيون. خليجيون أم مغاربة أو مصريون. كلنا نتشارك اللغة والظروف الاجتماعية ذاتها. نتشارك أمراض بلدان العالم الثالث ومشكلاته وتعقيداته، وإن بتباينات هنا أو هناك. *ما هي المعايير الحقيقية التي يختار على أساسها المخرج "بطل عمله" في زمن طغت فيه أرقام المتابعين على الموهبة الخام؟  قبل كل شيء يجب أن تكون المعايير فنية صرفة. وكي لا أكون طوباوياً يجب أن أوضح أن جهة الإنتاج ربما تقترح على المخرج أسماء أو تفرض أسماء معنية، لكن هذا يبقى لدي مثار تفاوض وربما استحال جدلاً أو تطلب مناورة، لكن أعمل في النهاية بصفتي مخرجاً على انتقاء الممثل المناسب للدور مهما علا شأن هذا الممثل أو تلك الممثلة. لا أتنازل عن هذا الشرط، بل هو في صميم عملي. الكاستينغ عنصر حاسم في العملية الفنية برمتها.  *لو خُيّرت بين "نجم شباك" يضمن التسويق بجماله ولكن موهبته محدودة، و"ممثل مسرحي" مغمور يجسّد الدور بعبقرية، أين تتجه بوصلتك؟ لطالما انتصرت للممثل المناسب، سواء كان نجم شباك، وهذا تعبير خاص بأفلام السينما، أو كان ممثلاً مسرحياً. المهم أن يكون مناسباً للدور وقادراً على فهمي مخرجاً في "اللوكيشن". لا فرق لدي بين ممثل وآخر إلا بلياقته الفنية واستيعابه للعملية الفنية باعتبارها جهداً جماعياً يشارك فيه الجميع ويتخلون فيه عن أنواتهم لصالح نجاح العمل وقبوله جماهيرياً. الكوميديا الحقة هي تلك التي تركز على غير اللائق اجتماعياً، وبرأيي تنقصنا أعمال ساخرة لا كوميدية. والسخرية والأدب الساخر عموماً نادر وربما مفقود اليوم من قائمة الكتب *هل يمكن لمخرج بمكانتك أن يعمل خارج "الدائرة الضيقة" لبعض الأسماء؟ وهل أصبحت "الصحبة" معياراً أول في توزيع الأدوار؟ لطالما لعبت الشللية الفنية دوراً سلبياً في إقصاء مواهب وتكريس مواهب أو أنصاف مواهب، لكني بعيد تماماً عن أي لوبيات فنية. بعيد عن سهرات الوسط الفني ودسائسه وأعاجيبه وانتقائيته. هذا ما حاولتُ أن أعمل عليه 25 عاماً. ما يعنيني ألا يتدخّل الشخصي في المهني. وهذا ربما ما أفقدني حضوراً في شبكة علاقات مبنية على النفعية الوصولية والتحزب وبيع الأوهام، ولا سيما للأجيال الشابة الجديدة التي يتم خداعها اليوم وبيعها أحلامها مقابل مبالغ من المال أو السهرات الخاصة جداً. شخصياً أعوّل على شركات إنتاج قادرة على دعم التجارب الجديدة. الوجوه الجديدة التي تهيم هنا وهناك في ورش ودورات تمثيل أمام الكاميرا مقابل مبالغ مالية تحزنني وتجعلني أرى بأم العين كيف تحول الفن اليوم إلى نخاسة.  *لماذا نعيش اليوم "يتماً كوميدياً"؟ هل استنفدت البيئة العربية طاقتها على السخرية من وجعها، أم أن الكاتب الكوميدي أصبح عملة نادرة؟  كيف ستبالغ اليوم إزاء واقع مبالغ به أصلاً. واقع أكثر تسلية وإضحاكاً. تنجح الكوميديا عندما لا يتجاوز الواقع المخيّلة. ما يحدث أن الوقع العربي اليوم استحال إلى ما يشبه كاميرا خفية دائمة العمل. المفارقة أن أعمالاً عديدة كانت تضحك مما هو غير لائق أخلاقياً، أما الكوميديا الحقّة فهي تلك التي تركز على غير اللائق اجتماعياً. برأيي تنقصنا أعمال ساخرة لا كوميدية. والسخرية والأدب الساخر عموماً نادر وربما مفقود اليوم من قائمة الكتب. حتى رسوم الكاريكاتور تبدو شحيحة ومقننة. الكوميديا تحتاج إلى نظرة مختلفة ومبدعة تتوقف عند العطب الاجتماعي ومثله السياسي، وهذا ما أعتقد أنه من الصعب اليوم الحديث عنه. *تعاملتَ في مسلسل "وراء الشمس" مع قضايا إنسانية حسّاسة. كيف ينجو المخرج من فخ "الاستعطاف" ليصل إلى فخامة الفن من دون المتاجرة بالألم؟  جاءت تجربتي في مسلسل "وراء الشمس" من همّي الشخصي القديم إزاء فئة اجتماعية مغيّبة عن المشهد. لم تأتِ من شفقة، بل من تعاطف ضمني خضته شخصياً مع أقارب لي في العائلة، ونبهني هذا إلى ضرورة تسليط الضوء على هذه الشريحة من الناس. لم أقدّم في "وراء الشمس" توسّلاً أو تسولاً لمشاعر عند الجمهور، بل حاولتُ أن أقدّم صورة بحساسية مغايرة لمعنى التعاطف والتكافل الاجتماعي من دون الانسياق للسائد والعادي. ومثل "وراء الشمس" كان مسلسلي "حائرات" الذي حاولتُ فيه أن أطل على عوالم الشوارع الخلفية للحرب. لا أحب المباشرة الفنية ولم أكن يوماً من أنصارها. بل أركّز جل جهودي على التقاط اللحظة الدرامية المؤثرة. اللحظة الإنسانية الصافية بعين المحب لا المتلصّص على الآلام والأوجاع البشرية. في سعيي إلى إنتاج عمل عن فلسطين لا أبحث عن صورة فقط، بل عن أرشيف إنساني وحضاري أعتبره ملحمة للعالم بأسره *بعد وصول أعمال لك إلى منصّات التكريم الدولية (مثل نيويورك)، هل يتغيّر سقف طموحك الإخراجي؟ وكيف يؤثر التكريم الخارجي على نظرة الجمهور المحلي؟ أبداً لم أصبُ يوماً إلى هذا. كنت أفكر طوال الوقت بالعمل الفني، وكيف يكون لائقاً وقادراً على استنطاق الواقع. "بانتظار الياسمين" كان اختراقاً حقيقياً لهذا الجانب. رجع الصدى الدولي له في مسابقة جائزة عالمية مثل "الإيمي أوورد" جعلني أقتنع أكثر بجدّيتي وصرامتي مع عناصر العمل الفني ككل. الممثل والسينوغرافيا، من ضوء وأزياء ومؤثرات بصرية. الكاميرا وحركتها وزوايا التصوير كلها يجب أن تكون مدروسة ومفكّراً بها. جعلني هذا التكريم مؤمناً أكثر بأن العمل الفني عندما يتم العامل معه بجدّية فإنه قادر على الوصول إلى أهم المحافل الدولية، وأن يتخطى عبر إغراقه في المحلية كل الحواجز والعقبات وضعف الإمكانيات الإنتاجية ليحصل على الجائزة الذهبية. *المخرج الحقيقي هو من يصنع عالماً يهرب إليه الناس. في زحمة "الترند"، هل ما زلت تؤمن أن الكاميرا قادرة على تغيير فكرة، أم أنها أصبحت مجرد أداة للتسلية؟ التسلية مطلوبة طبعاً مثل المتعة. لكن هذه العناصر لا يكون لها معنى من دون صهرها في أتون الهم الفني والهاجس الذي أعمل عليه بصفتي مخرجاً. لا تبدو لي الكاميرا ذات قيمة من دون وعي هذه الأداة كفرشاة في يدي مخرج بارع. اللونية وأنواع الكاميرات التي يجرى التصوير بها اليوم مهمة، ولكن قبل ذلك من هو الرأس الذي يديرها. الكاميرات اليوم بأجيالها الجديدة قادرة على تقديم صورة أقرب إلى الصورة التي تلتقطها العين البشرية. هذا ساحر ومهم، لكن الأهم بالنسبة لي كيف تفيد من هذه التقنية وتوظفها درامياً وفنياً. *قدمت أعمالاً تاريخية من أبرزها سلسلة "دليلة والزيبق". هل تفكّر بإعادة هذا النوع من التجارب؟ صحيح. حققت 60 ساعة لهذا العمل التاريخي الذي اشتمل على أكثر من 300 "كراكتر" وشخصية، وكان عملاً شائقاً في عوالمه التي يتداخل فيها المستوى السحري بالعجائبي بأجواء ألف ليلة وليلة، وأتمنى أن أعيد مثل هذه التجربة وأحقق عملاً عن الأندلس، لا سيما مرحلة "سقوط غرناطة"، تلك اللحظة التاريخية المفصلية من حضارة العرب في شبه الجزيرة الإيبيرية. تلك اللحظة التي توازي لحظة سقوط بغداد على أيدي المغول. التاريخ والتفكير فيه درامياً يجذبني، ويجعلني أدرك أنه حافل بالعبر التي يجب أن نسلط الضوء عليها وإيصالها إلى أكبر جمهور ممكن، ولكن من خلال رؤية نقدية شاملة تبتعد عن الإطناب لصالح استشراف المستقبل. *نلاحظ، وأنت المخرج الفلسطيني، أن صفحاتك على وسائل التواصل مكرسة بمعظمها للقضية الفلسطينية. برأيك ما هي أسباب غياب فلسطين والقضية الفلسطينية عن توجه شركات الإنتاج العربية؟ دعني أبوح هنا بأنني عملت جاهداً لتأمين جهة إنتاجية لتقديم عمل عن فلسطين. فلسطين كما لم نعرفها من قبل. فلسطين التي يُراد نسيانها في الصورة التلفزيونية أو السينمائية. فلسطين كما ظهرت في روايات غسّان كنفاني وإبراهيم نصر الله وجبرا إبراهيم جبرا وقصائد محمود درويش. تلك الفلسطين الممنوعة ليست كما تظهر في تقارير إخبارية أو أفلام عاجلة هنا وهناك. بل هي تلك الأرض التي حجارتها كحل وترابها حنّاء وزيتونها بخور. تلك الأرض القديمة المُغرقة في المأساة لم تظهر أو لا يراد لها أن تظهر إلا في ثوب الحداد. لقد تصدّرت صورة مأساوية عن بلادي. وأنا إذ أعترف بأنني لم أنجح في تدبر إنتاج لعمل فلسطيني أقول إنني لا أبحث عن صورة فقط، بل عن أرشيف إنساني وحضاري أعتبره ملحمة للعالم بأسره. يستحقّ نضال شعبي الفلسطيني أن يُنظر إليه خارج الأطر الاعتيادية، خارج صورة الضحية، وبعيداً عن كل ما من شأنه أن يصادر على كرامات الناس وتضحياتها الجسام. لقد عكف العدو الإسرائيلي على تنميطنا فلسطينيين، وساهمت في ذلك، للأسف، وسائل إعلام عربية وأجنبية. حتى تلك الأفلام المموّلة من صناديق الدعم المشبوهة تشارك في تزوير رهيب للوقائع والتاريخ. وأسأل نفسي، بعد بلوغي نيف وخمسين عاماً: هل سأتمكّن من تحقيق هذا الحلم. هل ستسعفني الظروف والوقت لتقديم عمل يليق ببلاد كانت تسمّى فلسطين وصارت تسمّى فلسطين. بطاقة: - نجل الفدائي الفلسطيني علي الوحش الذي استشهد في الجولان المحتل. - فقد ثلاثة من أشقائه على أيدي مليشيات النظام البائد في ريف دمشق في يوم واحد. - درس التمثيل في سورية، ثم درس الإخراج السينمائي في بريطانيا، حاصلاً على درجتي البكالوريوس والماجستير من أكاديمية مانشستر. - قدّم عدة أعمال درامية، منها: زمان الصمت، ليل ورجال، قاع المدينة، وراء الشمس. - حاز الجائزة الذهبية لمسابقة "إيمي أوورد" الأميركية عن مسلسله "بانتظار الياسمين".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية