الجندي
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لا أعلم أين استُشهد هذا الجندي الذي يُعزف له الآن، بالقرب من منزلي المُحاذي للثكنة العسكرية، النشيد الجنائزي الحزين. بالصوت، وبالإيقاع الموسيقي المهيب، الموزون كخطى الجنود الثابتة لكن المُتباطئة لمشيّعي رفيق السلاح، يصل إلي النعي في كلّ مرّة. "آه.. هناك عسكريون أيضاً بين الشهداء إذاً"، أقول في نفسي. أقف على الشرفة، محاولة رؤية مشهد التشييع الذي يطلّ منزلي على طرف صغير منه. نوع من مشاركة وجدانية كما في الوقوف احتراماً لدى سماع النشيد الوطني.  أين استُشهد هذا الجندي الذي يُشيّع اليوم؟ تساءلتُ وأنا واقفة على شرفتي أحاول أن أشاهد تحية الجنود لنعش زميلهم، في حين كان بعض المارة قد تجمّعوا شاخصين إلى ذلك الجزء الذي لا أراه من الجنازة العسكرية. "أتراه قُتل في قصف إسرائيل منذ يومين فيما سُمّي سريعاً بـ"الأربعاء الأسود"؟ يا لهذه التسمية! كما لو كانت سوف تُميّزه عن مجازر باقي أيام الأسبوع التي لا تقلّ سواداً، أو على الأقلّ عن أربعاءات لا تُعدّ ولا تُحصى مرّت علينا منذ أكثر من سنتين؟  من هو أحقّ بلقب الشهيد من جندي في جيش بلاده يُقتل خلال الحرب؟ هل كان في الخدمة عندما قُتل؟ أين كان يقف؟ على حاجز للجيش؟ أم أصابه صاروخ عندما كان يشارك في إزالة الأنقاض بالقرب من جسر القاسمية الذي دمّره طيران العدو بالأمس لقطع شرايين جغرافيا البلاد وعزلنا عن بعضنا؟ أتنبّه بعد ثوان: ماذا قلت؟ قُتل؟ يصحّح عقلي فوراً: أقصد استشهد. فمن هو أحقّ بلقب الشهيد من جندي في جيش بلاده يُقتل خلال الحرب؟ أعود إلى النعي على الإنترنت لأكتشف أنّ جنوداً أربعة، وليس واحداً فقط، استُشهدوا أمس في الغارات المائة على امتداد جغرافيا لبنان. غارات غير مسبوقة، إبادية، تفاخر جيش الخارجين عن أيّ قانون بارتكابها خلال عشر دقائق، كما قالوا. كنت لا أزال غير قادرة على التركيز بسبب طنين المُسيّرة المُعادية التي خيّمت على ليلنا كلّه حتى الصباح على الرغم من سدادات الأذن التي حشرتها فيهما طمعاً ببعض النوم. أين استُشهد هؤلاء الجنود؟ أتساءل وأنا أفتّش بين المواقع الإخبارية: في بيروت؟ في بيوتهم؟ على الحواجز؟ أم في ثكناتهم؟ هل كانوا يزورون عيالهم مثلاً في تلك المناطق التي قُصفت بأطنان من المُتفجّرات؟ أم كانوا في مراكزهم في يوم دوام عادي كما كلّ موظفي الدولة؟ لكن، حتى ولو كانوا في مراكزهم، فمن الثابت إنّهم، حين اغتالتهم اسرائيل، لم يكونوا يقاتلون. فقد سبق أن أمرتهم القيادة السياسية العليا بـ"إعادة التموضع" والانسحاب أمام جيش العدو. تكتيكات لم نفهم، نحن المواطنين، منها شيئاً، وماذا عنهم؟  غارات غير مسبوقة، إبادية، تفاخر جيش الخارجين عن أيّ قانون بارتكابها خلال عشر دقائق ورأيت أنّ كوني مُتيقنة من أنّهم لم يُقتلوا على الجبهة أو في اشتباك مع العدو، بل كأيّ ضحايا مدنيين لا يملكون الدفاع عن أنفسهم، إهانة ما بعدها إهانة، لي أولاً، ولكلّ مواطن، قبلهم.  لكن ما السبيل للتفكير بغير ذلك؟ أحاول أن أجد مخرجاً، سبباً منطقياً، فلا أجد إلا أنهم "عسكر مأمور"، كما يُقال في لغتنا اللبنانية، وكما قد يقولون هم. فالأوامر قد صدرت لهم من أعلى قيادة في البلاد، بالانسحاب أمام تقدّم العدو. قيل إنّ ذلك لحمايتهم أمام جيش مُدجّج بأفضل أنواع الأسلحة، وليس هناك أيّ توازن عسكري معه. صحيح، ربّما هكذا قال ذلك الجندي في نفسه، لكن، ألم يشعر فعلاً بالألم من كلّ هذا الضعف الذي أبدته دولته؟ ألم يشعر بنفسه عارياً كما نشعر، لا درع يحميه منها، ولا أمر بالمواجهة؟ أم أنه بُهت قليلاً مُستغرباً قبل أن يضرب التحية ويقول لآمره بلهجة عسكرية "عُلم سيدي"؟ بم شعر وهو يرى بأم العين، أنّ غيره من المواطنين يقوم بمهامه على الجبهات ويضحون بأرواحهم من دون إيلاء تفوّق قوّة العدو أيّة أهمية؟ لا أعرف. وحتى قبل الحرب الأخيرة، هل كان راضياً عن استلامه نهاية كلّ شهر مبلغاً وقيمته مائة دولار أميركي فقط لا غير، ترسله، بموافقة حكومته، سفارة أجنبية إلى الجنود بوصفه معونة؟ صحيح أنّها كانت تعين معاشه القاصر لبلوغ نهاية الشهر، لكن هل كان يا ترى ليختارها لو خيّروه بينها وبين معونة من سلاح دفاعي لجيشه، قادر على ردع العدو المجرم المُعتدي على أهله في كلّ لحظة منذ سنوات وسنوات؟  صدرت الأوامر للجنود من أعلى قيادة في البلاد، بالانسحاب أمام تقدّم العدو هل كان ليُفضّل المائة دولار لكي يستطيع أن يرسل أولاده للمدرسة؟ لكي تكون ذراعاه مليئتين حين يعود خلال المأذونية، كما تُسمّى إجازة العسكريين، ليزور العائلة؟ أبحث في الأخبار عن شهداء الجيش لأعرف بالضبط أين استُشهد من تُعزف له الموسيقى الجنائزية. أجد الخبر: الهرمل، شمسطار، الكفور النبطية، بعلبك. آه.. إذاً، لم يكونوا في بيروت. على الأرجح كانوا في ثكناتهم. تنتهي مراسم التشييع، أمدّ بصري صوب المتحف الوطني آخر الشارع. مقابل عمارته المهيبة، وُضِع نصب تذكاري وضريح للجندي المجهول. هناك، وفي كلّ عيد استقلال يقوم رئيس الجمهورية بوضع إكليل من الزهور على الضريح. يخطر ببالي سؤال لم يطرحه أحد، لكني لا شك سوف أبدأ بطرحه من اليوم وصاعداً حين أقف أمام الضريح: من عليّ أن أتخيّل حين أقف احتراماً أمام هذا النصب في العيد المُقبل؟ هل أفكّر بمن شيعناهم اليوم؟ أم بأولئك الذين لم يتبق منهم، حتى ما قد نستطيع تشييعه، هناك عند جبهة الاشتباك مع العدو؟ على الأرجح الجميع، فكلّهم ضحايا هذا الوطن الذي لا يستطيع أن يكون كذلك.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية