عربي
لم يسقط النظام الإيراني كما توقّع ترامب، ولم يتكرّر سيناريو فنزويلا ببروز قيادة إيرانية جديدة تتفاوض معه، وتتوقف الحرب سريعاً. طالت الحرب 40 يوماً، ولم يتوقّف النظام في طهران عن المواجهة، على الرغم من فارق القوة. ثم نجحت المبادرة الباكستانية، وبدأت المفاوضات في إسلام أباد، وسقط خيار تغيير النظام بذلك، وتحقّق لإيران الاعتراف بنظامها من جديد عبر التفاوض معه. يقوم سيناريو التفاوض الأميركي، كما أوضحه جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي الذي قاد المفاوضات، على التفاوض بشأن فتح مضيق هرمز بشكل كامل، والالتزام "المطلق" بعدم حيازة الأسلحة النووية، إذاً حتى تغيير شكل النظام لم يكن على الطاولة الباكستانية. تتمسّك إيران بأن تبقى لاعباً إقليمياً، وبوقف الحرب على لبنان، وببقاء سيطرتها على مضيق هرمز، وتتجاهل الضعف الشديد الذي أصبحت عليه بعد الحرب المدمّرة.
تحققت غاية الدولة الصهيونية بفصل المسارات واستمرار الحرب ضدّ لبنان
من الخطأ النظر إلى المفاوضات بأنها فشلت، وهي التي بدأت وتعثّرت، فتوقفت، بسبب عدم استجابة إيران بشكل واضح للطلبات الأميركية، وربّما هناك شروط غير معلنة. لم تنته المفاوضات، ولا سيّما أنّ فانس أكّد أنّ هناك "عرضاً نهائياً" لم توافق عليه إيران، ولكن لم ترفضه بشكل نهائي. إذاً، لا بدّ من حوار داخل النظام الإيراني بصدده، والأمر نفسه يخصّ الوفد الأميركي تجاه الشروط الإيرانية. هل تتجدّد المفاوضات؟ على الأغلب. هل تتجدّد الحرب؟ هنا القضية المعقّدة، فهي لم تتوقّف ضدّ لبنان، ولكن تجدّدها ضدّ إيران يتطلّب حسابات جديدة، وربّما تكرار ترامب القول إنّه انتصر عسكرياً يتضمّن أنّ الحرب لن تتجدّد مباشرة، وبالتالي هناك إمكانية للعودة إلى التفاوض.
ما يقف عائقاً أمام التفاوض بالمعنى الجاد، إضافةً إلى ما أوضحت السطور أعلاه، ويتعلّق بالطرفَين، أنّ إيران تتمسّك بدور إقليمي وبالإشراف على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره خمس النفط العالمي، وهو أحد خطوط التجارة العالمية. وكذلك تتمسّك بوقف الحرب ضدّ لبنان، وهذا ما ترفضه الدولة الصهيونية بشكل كامل، وجزء من حربها ضدّ إيران هو لـ"قطع" أذرعها في محيطها. وبالتالي، لن تقبل، وهذا أحد أسباب تجدّد الحرب، وتريد إسرائيل إضعاف حزب الله أكثر فأكثر، وصولاً إلى تجريده من سلاحه، وبتعذّر ذلك سيستمرّ التوسّع في جنوب لبنان وإيجاد منطقة آمنة، وربّما اللعب بالساحة اللبنانية وإشعال الحرب الطائفية، ولا سيّما بعد الفشل في توريط سورية في قتال حزب الله في لبنان.
لن تقبل الإدارة الأميركية بقاء إيران حليفةً للصين، ومع تعثّر المفاوضات والانتقال إلى علاقات أفضل، وتحويل إيران إلى دولة للاستثمار الأميركي، ستتقدّم خيارات الحصار كذلك، وربّما بدءاً من احتلال جزيرة خارج مثلاً، وعزل إيران أكثر فأكثر. وبالتالي هناك خيارات متعدّدة وليست الحرب خياراً وحيداً، خصوصاً أنّ غاية الدولة الصهيونية تحقّقت بفصل المسارات واستمرار الحرب ضدّ لبنان. وفي مفاوضات مرتقبة بين إسرائيل السلطة اللبنانية، فإنّ مسألة حزب الله هي العقدة الأكبر، والمستندة إلى الاحتلال الصهيوني الجديد للأراضي اللبنانية. هنا عقدة كبيرة تقف أمام المفاوضات: فكيف سيتمّ تجريد حزب الله من سلاحه؟ وكيف ستتراجع الدولة الصهيونية عن احتلال أراضٍ لبنانية؟ وهذا يدخل في حسابات اللعبة السياسية الداخلية في هذه الدولة. إذاً الأمور نحو مزيد من التعقيد، وفي غياب التفاوض الجادّ، وباستمرار حزب الله في المواجهة، فإنّ الحرب الصهيونية على هذا البلد مستمرّة، ولنقل إنّ هناك تعقيداتٍ كثيرة تتيح عدم التوصّل إلى اتفاق واستمرار الحرب، وبأشكال متعدّدة، وإن بشكل متقطّع كذلك.
صمود النظام الإيراني هو ما فرض التفاوض، ولكن هناك خسارات هائلة حصلت في الداخل، ولا تبدو أميركا في وارد الاستجابة للشروط الإيرانية بالتعويض أو بالموافقة على شروط إيران بالإشراف على مضيق هرمز أو البدء برفع العقوبات. وجود رغبة أميركية، وخليجية ايضاً، في التفاوض لا يعني أبداً إمكانية عودة العلاقات بين الخليج وإيران إلى طبيعتها؛ فقد تضرّرت منشآت في بنيتها التحتية بشكل كبير، وكانت الحرب ضدّها بمثابة "عدوان"، وليس لأسباب حقيقية. نقصد هنا أنّ إيران معنية بطرح مبادرة، وبغض النظر عن "عرض فانس" للمنطقة بأكملها، وبدءاً من الخليج، والتمسّك بالتفاوض مع الإدارة الأميركية. وحسناً فعلت الأخيرة بأنّها لم تشترط وجود وفد للدولة الصهيونية، وهنا نشير إلى ضرورة وجود وفد خليجي، وليس فقط سعودياً أو مصرياً، لأنّ كل تلك الدول تضرّرت، وهي مجاورة لإيران، ويجب إرساء أسس جادّة للعلاقات المستقبلية بعيداً من عقلية الهيمنة المتوهّمة إيرانياً، وهي العقلية ذاتها التي تتحكّم في الدولة الصهيونية، وإلى حدّ ما في تركيا.
لم تنته خيارات الحرب، والقوات الأميركية مستمرّة في القدوم والتمركز في المنطقة، ولهذا يجب أن تتقدّم إيران بمبادرة تحفظ فيها حقوقها دولةً وازنةً في المنطقة وتراعي مصالح بقية دولها. يقع على إيران التخلّي كلّياً عن دعم هذه الأذرع، فهناك، غير الرفض الصهيوني لها، رفض عربي كذلك، وخليجي بشكل خاص، ولكلٍّ أسبابه. يهمّ كاتب هذا المقال الرفض العربي، فالدولة الصهيونية استيطانية ويجب أن تتفكّك، وأمّا العرب والأتراك والإيرانيون والأكراد فهم شعوب المنطقة، واليهود ممّن يعترف بذلك. ومن هنا فإنّ إيران، التي انتهجت سياسات خاطئة بخصوص العالم العربي، معنية (وهي التي قد تواجه تجدّد الحرب) بإطلاق مبادرة حقيقية تمنع إمكانية التجدّد.
على إيران أن تقدّم مبادرةً تحفظ حقوقها دولةً وازنةً في المنطقة وتراعي مصالح بقية دولها
تخطئ إيران كثيراً بتهميش مصالح الدول الخليجية والعربية في مفاوضاتها مع الإدارة الأميركية، وقد أوجدت هذه الدول لنفسها مساحةً من عدم التطابق مع الإدارتين الأميركية والصهيونية في أثناء الحرب، وهذه رسالة تطمين لإيران، فهل تعي أهميتها وتتخلّص نهائياً من فكرة الهيمنة؟
لم تفشل المفاوضات بشكل نهائي بعد، ولكنّ جولتها الأولى لم تنجح كذلك. إيران معنية بتدوير الزوايا، وبتلك المبادرة، ومعنية كذلك بانتهاج استراتيجية جديدة مع الدول العربية، ومع الداخل الإيراني الذي رفض التظاهر في ظلّ الحرب كما توهّم ترامب. لا يفيد العناد مع الفاشية الأميركية التي شنّت الحرب رغم الرفض الأوروبي والبريطاني لها؛ فالإدارة الأميركية لم تقاتل إيران في إيران، بل الصين كذلك، وهذا لن يتغيّر، وتريد فرض هيمنتها على المنطقة بأكملها في سياق محاولتها تجديد الهيمنة على العالم. وإذ نعيد تأكيد المبادرة الإيرانية، هناك ضرورة أيضاً لدبلوماسية عربية وتركية نشطة تضمن مصالح شعوب المنطقة، وتبنّي مبادرة عربية تجاه القضية الفلسطينية، والتمسّك بحقوق الفلسطينيين في أنّهم أصحاب الأرض كذلك، وهذا ما سيعيد حسابات الإدارة الأميركية في دعمها للدولة الصهيونية في فرض سيطرتها على المنطقة.
صحيح أنّ المنطقة تمرّ حالياً بمناخات إمكانية تجدّد الحرب، ولكنّ هدف هذا المقال فيما يطرحه الوصول إلى الاستقرار الجادّ والراسخ؛ إنّ قضية الحرّيات الداخلية في إيران والمنطقة، وبناء علاقات خارجية على أسس الندّية والمصالح المشتركة، وعلى حقّ الفلسطينيين في تشكيل دولتهم، قضايا مركزية لوقف التدهور. وفي هذا كلّه سيكون من الصائب أن تتخلّى إيران عن فكرة إنتاج الأسلحة النووية بشكل كامل، وهذا سيبرّد أسباب الخلاف، وكذلك إن فعلت بإنهاء دعمها "أذرعها" في المنطقة، هذا وذاك قد يدفعان الإدارة الأميركية إلى انتهاج خيار التفاوض بشكل نهائي.

أخبار ذات صلة.
واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق
سورية على خطى باكستان أم في عباءة تركيا؟
العربي الجديد
منذ 10 دقائق