مفاوضات إبراء الذمّة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بعد أن ردّت إيران على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار معها بأنّها لا تثق في الأميركيين، وستظلّ "أيديها على الزناد"، وفقاً لوزير الخارجية عبّاس عراقجي، بدأت طهران بالفعل بفتح حركة الملاحة في مضيق هرمز جزئيّاً وبشروط محدَّدة، منها تغيير الممرّات الملاحية، وتحصيل رسوم عبور، وانتقاء جنسيات السفن المسموح بعبورها. تفيد تلك التطوّرات المتقاطعة والمواقف المتذبذبة بأنّ الحرب لم تنته بعد، وما وُصف باتفاق هو مجرّد وقف مؤقّت للقتال يمهّد للبدء بالتفاوض. وشواهد هذا كثيرة، أبرزها عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، ومضيّها في قصف لبنان وتصعيده كمّاً ونوعاً، وردّ واشنطن على اعتراض إيران واعتبارها سلوك إسرائيل انتهاكاً لوقف النار بأنّ لبنان غير مشمول بترتيبات وقف إطلاق النار، وتصريح ترامب بأنّ لبنان قضية منفصلة سيجري التعامل معها بمفردها. ثم جاء إعلان تل أبيب أنّها لن تتوقّف قبل "ضمان أمن شمال إسرائيل"، وأنّ مفاوضات ثنائية ستجري مع اللبنانيين (غداً الثلاثاء؟) حول نزع سلاح حزب الله. ثم جاءت الأنباء المسرّبة بأنّ ثمّة اختلافاً بين النسختَين المكتوبتَين الخاصَّتَين بكلّ من طهران وواشنطن بشأن شمول لبنان في واحدة (النسخة الإيرانية) واستبعاده من الأخرى (الأميركية)، لتؤكّد أنّ ذلك التفاهم الجزئي المحدود حول وقف القتال والقصف المتبادل، وتفاصيله، محلّ خلاف أو ربّما خداع ما. أمّا المفاوضات الفعلية التي بدأت أمس الأول (السبت) في باكستان، وانتهت بعد ساعات، فلم يكن متصوّراً بالطبع أن يُتوصّل خلالها إلى اتفاق، ولو استمرّت شهوراً. ولا ننسى أنّ سلسلة لقاءات مباشرة وغير مباشرة كانت قد جرت بين واشنطن وطهران حتى عشية بدء القصف الأميركي على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي. وقد تسبّب انقلاب واشنطن من الحوار المباشر المفتوح إلى قصف عنيف واغتيالات للمسؤولين رفيعي المستوى في صدمةٍ عنيفة، كانت حاضرةً في عقل المفاوض الإيراني حين جلس إلى مائدة الحوار في باكستان، فضلاً عمّا أضيف إلى تلك التجربة السلبية من معطيات جديدة خلقتها الحرب. ورغم ما كشفته الحرب من مفاجآت (ربّما لم تكن متوقّعة من الطرفَين ومن أطراف ثالثة أيضاً)، إلا أنّ واشنطن وطهران وبعض دول المنطقة راهنت على تحصيل مكاسب من المسار التفاوضي بعد عجزها عن إحراز المطلوب عبر القتال والقصف المتبادل. ولعلّ هذا يفسّر تذبذب المواقف حول جدوى المفاوضات، والتصريحات المتعارضة، ليس بين الطرفَين فحسب، بل حتى من كلّ طرف على حدة. ويكفي النظر إلى الفجوة الهائلة بين شروط إيران العشرة ومطالب واشنطن الخمسة عشر، فقد صيغت الورقتان كما لو كان كلّ منهما قد حقّق نصراً كاسحاً ونهائياً يكفل إذعان الطرف الآخر لمطالبه كاملةً. فذلك التباعد وحده يؤكّد أنّ المسافة لا تزال طويلةً، ليس لإبرام اتفاق تسوية فحسب، بل حتى لإنهاء الحرب فعلاً. وطالما ظلّ الحد الأدنى لمطالب كلٍّ منهما مناقضاً تماماً لمطالب الآخر، فمهما حاول الوسطاء وسعى الطرفان إلى تجسير تلك الفجوة، سيظلّ السائد بينهما التشكّك المتبادل وغياب الثقة. وفضلاً عن السحر الأسود الكامن في أدوار الأطراف الثالثة المحرّضة، فإنّ الضغوط والتوازنات الداخلية لدى واشنطن وطهران وتلّ أبيب، والالتزامات الإقليمية التي ستترتّب على أيّ اتفاق، كلّها عوامل معاكسة رجّحت أنّ الجلوس إلى مائدة التفاوض اضطراري بامتياز وليس أولوية، بل لم يكن خياراً مطروحاً لدى واشنطن ولا طهران، ما دام في استطاعتيهما الاستمرار في القتال. وبالتالي، فغرض التفاوض كان إبراء الذمّة وتمرير الوقت لتعويض الخسائر قبل استئناف المعارك وعضّ الأصابع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية