عربي
لم تدخل أسعار النفط بعد وقف إطلاق النار المؤقت، مرحلة هبوط طبيعي يعكس عودة التوازن، بل دخلت مرحلة تذبذب حاد تجمع بين تراجع الأسعار في سوق العقود الآجلة واشتداد التوتر في السوق الفعلية. وفي الساعات الأولى للهدنة التي أوقفت مؤقتا الحرب في المنطقة، رحبت الأسواق بالخبر سريعا. فقد هبط خام برنت أكثر من 13% إلى حدود 91 دولارا، في أكبر تراجع منذ 2020، مع عودة الحديث عن فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط والغاز.
توقعات حذرة لمسار الأسعار
وفي ما يخص توقعات الأسعار، لا ترى التقديرات المتداولة أن الهدنة ستقود سريعا إلى عودة النفط إلى مستوياته السابقة، بل إلى انفراج محدود يبقى رهينا بمدى صمود التهدئة. وفي هذا الصدد أوضح كارستن برزيسكي، كبير الخبراء الاقتصاديين في الفرع الألماني لمصرف "آي إن جي"، أن "أسعار الوقود قد تنخفض قليلا، لكن ذلك يعود أيضا إلى الارتفاعات الحادة التي سجلتها السوق مع بداية التصعيد".
وأكد برزيسكي في تصريحات لمنصة "تي - أونلاين" أن "العودة إلى مستويات ما قبل الحرب غير مرجحة في الأجل القريب، لأن وقف إطلاق النار هش، ولأن خطر التصعيد ما يزال قائما، كما أن المرور عبر مضيق هرمز لم يعد بعد إلى طبيعته الكاملة". وأضاف أن "خام برنت قد ينهي العام عند أقل بقليل من 90 دولارا للبرميل، مع بقاء أسعار الوقود مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة".
وفي الاتجاه نفسه، أفاد ماتياس ديتريمري من مزود الطاقة البلجيكي "إليندوس" في تصريحات لصحيفة "ليزيكو" البلجيكية بأن "اعتبار التراجع الأخير في الأسعار تحولا نهائيا سيكون أمرا متسرعا"، مشيرا إلى أن "الأسواق ما تزال شديدة الحساسية لأي تطور سياسي أو عسكري". وقال إن "العودة إلى أسعار ما قبل الحرب تبدو غير واقعية قبل صيف 2027، لأن السوق ستحتاج أولا إلى إعادة تكوين المخزونات في ظل عرض مشدود".
وأوضح لوران جاكيه من هيئة تنظيم أسواق الطاقة البلجيكية "كريغ" أن "أي تطبيع دائم للأسعار سيظل مرتبطا بعوامل يصعب توقعها، في مقدمتها توازن العرض والطلب عالميا، ولا سيما سلوك الاقتصادات الآسيوية التي قد تعيد إشعال المنافسة على الشحنات وترفع الأسعار من جديد".
فجوة السوق
غير أن ما خفّض الأسعار في سوق العقود لم يلغ الأزمة في السوق الفعلية. وفي هذا السياق، أفادت وكالة بلومبيرغ بأن السوق دخلت سباقا محموما للبحث عن شحنات فورية، بينما قدم المتعاملون في بحر الشمال، وهو أهم سوق للخام الفعلي في العالم، 40 طلب شراء خلال أسبوع واحد، لم يلب منها سوى 4 عروض.
وأضافت "بلومبيرغ" أن "شحنات للتسليم في الأسابيع المقبلة بيعت بأكثر من 140 دولارا للبرميل، في وقت كان فيه النفط في سوق العقود يتراجع إلى نحو 95 دولارا. وكشف هذا الانفصال بين السوقين أن الهدنة خففت الخوف المالي، لكنها لم تعالج نقص البراميل المتاحة فورا.
وقال نيل كروسبي، الخبير الاقتصادي في "سبارتا كوموديتيز" المتخصصة في بيانات وتجارة السلع، لوكالة بلومبيرغ إن "هناك ببساطة نقصا في الخام، وإن خام برنت الفعلي ارتفع أكثر مما ينبغي، إلى درجة قد تضطر معها بعض المصافي الأوروبية إلى خفض معدلات التشغيل ربما اعتبارا من الشهر المقبل"، مما يعني أن ارتفاع الأسعار لم يعد يهدد سوق الخام فقط، بل قد يمتد إلى أسواق المشتقات، لأن خفض تشغيل المصافي قد يعمق النقص في الديزل ووقود الطائرات.
البحث عن بدائل
وحسب "كلبر"، فإن الحرب خفضت إنتاج النفط في المنطقة بنحو 12 مليون برميل يوميا، مقارنة بمستوى بلغ 27 مليون برميل في فبراير/شباط. مما يعني أن أي تراجع في الأسعار يبقى هشا ما دامت الإمدادات الفعلية لم تستعد مستوياتها السابقة.
وفي موازاة ذلك، وسعت اليابان والصين والهند نطاق بحثها عن الخام إلى الولايات المتحدة وكندا وفنزويلا، مع استعداد لدفع علاوات أعلى من أجل الشحنات الأسرع وصولا. فقد ارتفعت شحنات كندا إلى الصين إلى مستوى قياسي هذا الشهر، فيما حمّلت الهند في الأسبوع الأول من إبريل/نيسان نحو 6 ملايين برميل من فنزويلا، أي ضعف ما سجلته في الفترة نفسها من مارس/آذار.
وأظهرت "بلومبيرغ" أن "بعض المؤشرات الميدانية لا تزال تؤكد بطء التعافي". فرغم عبور ناقلتين عملاقتين صينيتين وناقلة يونانية عبر مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإن الحركة بقيت أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
وبين تراجع الأسعار في شاشات التداول وارتفاع كلفة البراميل الجاهزة للشحن، بدت سوق النفط كأنها خرجت من صدمة الحرب من دون أن تدخل فعلا في مرحلة استقرار. إذ منحها وقف إطلاق النار متنفسا، لكنه لم يمح آثار الضرر الذي أصاب الإمدادات والعبور والإنتاج، ولم يبدد أيضا الخشية من عودة التوتر في أي لحظة، وهو ما أبقى الأسعار تحت رحمة خبر سياسي واحد أو شحنة متأخرة أو مضيق لم يستعد عافيته بعد.
