عربي
بات النازحون في غزة أقل تدافعاً على تكيات الطعام من السابق خلال فترات المجاعة والعوز الشديدين التي رافقت الحرب الإسرائيلية، فهم يشتكون من سوء وجبات الطعام التي تقدم إليهم ويذهب كثير منها إلى سلال المهملات.
يشتكي نازحون في غزة من مشاكل عدة في آليات تقديم وجبات الطعام في مواعيد مبكرة، خلال ساعات الصباح أو الظهيرة، ما يؤدي إلى فسادها، وأيضاً من تضمنها الكثير من الأرز المضاف إليه كميات قليلة جداً من اللحوم الحمراء أو الدجاج، ومن تكرار توفير شوربة الفاصولياء التي تطهى مع كميات كبيرة من المياه والعدس والمعكرونة و"الدمسة" المكونة من العدس البني.
تروي نور حمد التي تسكن في مخيم بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة لـ"العربي الجديد" أن الطوابير وتدافع الأطفال وسكان الخيام حين تعلو أصوات جلب طعام التكية بواسطة قدور كبيرة محمولة على عربة كارو أو تيك توك أو حافلات صغيرة، انتهت، وتقول: "كنا نقف أحياناً ساعتين في طابور، واليوم يُنادي من يأتون بتلك الوجبات علينا ويرفعون أصواتهم ويطلبون من الناس الحضور للتعبئة، لكن نسبة قليلة تذهب إليهم لتعبئة الطعام لأنه سيئ ويُلقى غالباً في القمامة. وأعتقد أن الأفضل أن يقدموه لنا كي نطهوه بطريقة صحيحة، وليس بالطريقة التي يقدمونها لنا". تتابع: "يعطوننا كميات قليلة جداً من اللحوم التي تنبعث منها روائح تدل على أنها فاسدة أو غير نظيفة، وعندما يحضرون الأرز يضعون رأس الثوم كاملاً في القدر، وهذا خطأ كبير ويُعطي مرارة للطعام".
وتقول بينما تجلس في خيمة مع صغارها: "من يطبخون البامية يضعونها كما هي، وتكون حبتها خشنة لا نستطيع أن نأكلها. أيضا توضع حبات الفاصولياء كما هي من دون تقطيع، وأيضاً الكوسا التي يلقون حباتها داخل أوانٍ كبيرة من دون تقطيعها. نحن بشر ولا يصح أن يقدم لنا طعام بهذا الشكل. الأرز يأتي نيّئاً، وحصلت قبل أيام على وجبة تضمنت قرنبيط مهروس، وعليه كمية كبيرة من الكمون، ولما تذوقت صدر الدجاج فيها وجدت أن طعمه فاسد، ومنعت أطفالي من أكله، ثم أصبت بإسهال، وهو ما يحصل لأطفالي أحياناً بعد تناول الطعام. نطالب بأن يشرف على الطعام أشخاص لديهم خبرة في الطهي".
ورغم أن وزارة التنمية الاجتماعية في غزة أعلنت حزمة إجراءات تنظيمية ملزمة لعمل التكيات والمطابخ تؤكد المعطيات على الأرض ومشاهد إلقاء الطعام في سلال المهملات عدم الالتزام. وأكدت الوزارة في 19 فبراير/ شباط الماضي، منع الطبخ في الشوارع قطعياً، وحصره داخل مطابخ رسمية، وفق معايير صحية، ومنع تقديم وجبات الأرز من دون إرفاق اللحوم، وإلزام الجهات العاملة بالتوزيع عبر وجبات مُغلفة بدلاً من نظام القدور. كما قررت وقف التكيات السائلة مثل وجبات العدس، وتقديم بدائل تلبي احتياجات المواطنين.
وبعدما كان المطبخ المركزي العالمي يقدم يومياً وجبات طعام بجودة عالية لآلاف الأسر وسط وجنوب قطاع غزة خلال الحرب وبعدها، بدأت الاتهامات توجه إليه في الآونة الأخيرة في شأن تقديم طعام مطبوخ في شكل غير صحيح أو يضم مكونات غير صالحة للاستخدام أو منتهية الصلاحية.
ويشير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن "الاحتلال قلّص عدد الشاحنات المخصصة لنقل المواد التموينية إلى المطبخ من 25 إلى خمس يومياً فقط، ما أدى إلى تراجع حاد في مستوى الدعم اللوجستي اللازم لاستمرار البرامج الغذائية. ويهدد ذلك استمرار تقديم الخدمات للسكان، ما دفع المطبخ إلى تعليق خدماته، وأثار موجة قلق واسعة بين آلاف العائلات".
وبخلاف الحديث عن جودة الطعام المقدم في الآونة الأخيرة، تظهر الأرقام المنشورة على موقع المطبخ المركزي العالمي حجم التدخل الإنساني الكبير، إذ قدمت فرقه في غزة منذ عام 2023 أكثر من 272 مليون وجبة بواقع مليون وجبة يومياً، و73 مليون رغيف خبز، و6.4 ملايين غالون ماء.
وفي صيف العام الماضي، أعيد تشغيل المطبخ المركزي العالمي في القطاع بشكل جزئي ومحدود للغاية بعد توقف ثلاثة أشهر، وقدم وجبات تركزت أساساً على تلبية احتياجات بعض المستشفيات وعدد محدود من مخيمات النازحين. وأكد مسؤولوه أنّ "الكميات المقدمة اعتبرت محدودة للغاية مقارنة بما كان يقدمه المطبخ سابقاً في غزة خلال الحرب. وأشاروا إلى أن "الاحتلال يحاول التغطية على جرائمه من خلال السماح بإدخال كميات محدودة من المساعدات، في خطوة يمكن وصفها بأنها ذر للرماد في العيون وتضليل للرأي العام العالمي، فالمساعدات التي تدخل القطاع لا تُلبي سوى جزء يسير من الاحتياجات المتفاقمة نتيجة الحصار وتدمير البنى التحتية".
وتدفع الظروف الصعبة العائلات التي ليس لديها أي مصدر دخل إلى قبول طعام التكيات الخيرية مهما كان طعمه وجودته، كما حال إيمان حسونة الملقبة بـ"أم صالح" ويعيش معها 11 من أبنائها وأحفادها، والتي تقول لـ"العربي الجديد" "توفير الطعام أمر مرهق يومياً، ولا أملك القدرة المالية أو المكونات اللازمة لطهي وجبة طعام واحدة مهما كان ثمنها زهيداً، لذا يصبح طعام التكيات ملاذنا الأخير".
وفي مخيم إيواء بحي الصبرة جنوب مدينة غزة تعيش ياسمين الدهشان ظروفاً مشابهة ولا تستطيع مع أطفالها الخمسة إكمال وجبة الطعام التي تقدمها التكيات. وتقول لـ"العربي الجديد": "وجبات الطعام التي تأتي ليس لها طعم لذا نرميها في القمامة، ومن شدة الجوع نأكل أحياناً شيئاً بسيطاً منها ثم نرسلها إلى جيراننا أو نرميها. في السابق كان المشرفون على التكيات يعدون الطعام جيداً، لكنهم باتوا يقدمون طعاماً سيئاً منذ فترة".
ولا يختلف الحال في مخيم إيواء في حيّ المنارة شرق مدينة غزة، حيث يسكن محمود العرابيد الذي يعمل ضمن لجنة إدارة المخيم، ويؤكد في حديثه لـ"العربي الجديد" أن إدارة المخيم الذي يضم 500 خيمة قررت رفض استقبال الطعام السائل من جميع تكيات الطعام. ويقول: "حاولنا استقبال هذا النوع من الطعام لكن العائلات لم تقبله، كما أنهم يصل في ساعات مبكرة من الصباح، لذا رفضنا استقباله وطلبنا أن يأتي بصورة لائقة ومغلفة وعند ساعات العصر كي يستطيع الناس تناوله. وكثير من الطعام الذي حصلنا عليه كان مصيره سلال القمامة".
وتحد الظروف الصعبة للنازحين، خاصة سكان الخيام، من قدرتهم على إعداد وجبات طعام يومية، إذ يتطلب توفر مكان وأدوات طبخ، وهو ما لا تسمح به أجواء العيش في الخيام. ويقول العرابيد: "دُمّر بيتي، وأقمت خيمة داخل مسجد تعرض لقصف، ولم نستطع حمل أغراضنا معنا، لذا لدينا نقص كبير في أدوات المطبخ اللازمة لإعداد الطعام".
يعيش النازحون في مواصي خانيونس أوضاعاً قاسية، إذ بات طعام التكيات ملاذاً لكثيرين. على شاطئ البحر يجلس أدهم فرج الله أمام خيمته، ويقول لـ"العربي الجديد": "عندما تأتي تكية الطعام ويترك قدر على الأرض يوزعه القائمون على المخيم بحسب الأولويات، ثم يأتي دورنا فنحصل على فتات. يحضر الطعام عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، وفي حال ترك قليلاً يكون قد فسد، وأحياناً تضاف الزهرة والباذنجان إلى الطعام من دون قلي أو تقطيع".
بدوره يشتكي رامي البطنيجي من وضع قدر الطعام على الأرض وترك الناس يتدافعون عليه بلا تنظيم، ويقول لـ"العربي الجديد": "للأسف تجد حبة البامية بحجم الإصبع، ومصدرها معلبات ولا نعرف كيف تطهى رغم وجود بدائل أكثر جودة وطازجة في الأسواق وتوفر كميات كبيرة من اللحم والدجاج". أما علي عفانة، فيُخبر "العربي الجديد" أن زوجته تغيّر وجبة الطعام التي تقدم لهم عبر إضافة مكونات.
ومثل نازحين كثيرين في مدينة غزة، يعتمد خليل أبو العيش الذي يعيش مع أولاده الثلاثة على طعام التكيات، وهو عاطل عن العمل، ويقول لـ"العربي الجديد: "عدم حصولي على هذا الطعام يعني أنني سأمضي يومي بلا طعام". وهذا رأي جارته أم منير كوارع التي تصف الطعام الممنوح بأنه "نعمة حتى لو كان طعمه سيئاً".

أخبار ذات صلة.
لماذا يُقتل الشعراء؟
العربي الجديد
منذ 49 دقيقة
إيران نموذج مختلف
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة
هرمز... وماذا حقّقت أميركا؟
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة
بين إيران والخليج العربي
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة
فلسطين المنسيّة
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة