المجر على مفترق انتخابي حاسم: حقبة فيكتور أوربان تترنّح
عربي
منذ 3 ساعات
مشاركة
بعد أكثر من عقد ونصف العقد في السلطة، يواجه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أخطر اختبار في مسيرته السياسية، الأحد المقبل، مع اقتراب انتخابات تشريعية حاسمة قد تُنهي هيمنة حزبه "فيديز" وتفتح الباب أمام تحول جذري في موقع المجر داخل أوروبا. ولا تعدّ انتخابات الأحد المقبل، في المجر، مجرد استحقاق داخلي، بل أصبحت تشكّل لحظة فاصلة بين نموذجين متناقضين: الأول يمثله أوربان، والقائم على "الديمقراطية غير الليبرالية" والتقارب مع روسيا، كما يتهمه الأوروبيون، والثاني يقوده زعيم المعارضة الصاعد بيتر ماغيار، الذي يَعِد بإعادة المجر إلى قلب المشروع الأوروبي. صعود مفاجئ لماغيار لم يكن اسم بيتر ماغيار مطروحاً بقوة قبل عامين، لكنه اليوم يتصدر المشهد السياسي في المجر، مستفيداً من تململ شعبي متزايد. وتُظهر استطلاعات الرأي، تقدّم حزب ماغيار، "تيسا"، على "فيديز" بزعامة أوربان، في تحول غير مسبوق بالمزاج الانتخابي. ماغيار، المنشق عن معسكر أوربان، يقدّم نفسه بديلا "من داخل معسكر اليمين"، لا خصما أيديولوجيا تقليديا، ما منحه قدرة على جذب أصوات من اليمين والوسط، إضافة إلى ناخبين معارضين يبحثون عن خيار أكثر مصداقية. ويركّز خطابه على القضايا المعيشية، الصحة، التعليم، وتكاليف الحياة، متهماً حكومة "فيديز" بإهمالها لصالح صراعاتها مع بروكسل. يقوم حكم أوربان على "الديمقراطية غير الليبرالية" والتقارب مع روسيا وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى تقدّم قد يصل بين الناخبين الحاسمين، إلى أكثر من 50% لصالح "تيسا" مقابل 37% لـ"فيديز"، مع فارق أقل لدى عموم الناخبين بنحو 49% مقابل 39% بسبب كتلة مترددة مؤثرة. ورغم تباين النتائج، يجمع الاتجاه العام على أن أوربان يواجه أصعب اختبار منذ عام 2010، حين وصل إلى الحكم للمرة الأولى، مع تراجع ملحوظ في شعبيته خصوصاً بين الشباب وسكان المدن. صحيح أن "فيديز" شهد تراجعات محدودة سابقاً، لكن الجديد اليوم هو حجمها واستمرارها؛ إذ لم يواجه أوربان من قبل منافساً يتقدّم عليه بهذا الاتساع في معظم الاستطلاعات. لذلك تُعدّ هذه اللحظة التحدي الأكبر لهيمنته الممتدة لأكثر من 16 عاماً، مع بقاء النتيجة مفتوحة على كل الاحتمالات. الحرب في قلب خطاب فيكتور أوربان تعتمد دعاية أوربان وحزب "فيديز" على خطاب مكثّف يمزج بين الأمن القومي والهوية والسيادة، ويُقدَّم باعتباره دفاعاً عن "المصلحة الوطنية" في مواجهة الضغوط الخارجية. وتتمحور رسائله حول أربع قضايا رئيسية: ففي ملف الهجرة، يواصل أوربان تقديم نفسه حامياً للحدود الأوروبية، رابطاً الهجرة غير النظامية بمخاطر أمنية وثقافية، ومتهماً بروكسل بالسعي إلى فرض سياسات توزيع اللاجئين. وفي الحرب في أوكرانيا، يرفع شعار "السلام أولاً"، داعياً إلى وقف التصعيد، ومصوّراً استمرار الحرب تهديدا مباشرا للاقتصاد وسبباً لارتفاع أسعار الطاقة، بل ويقدّم خصومه، بمن فيهم بيتر ماغيار والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ضمن خطاب يوحي بالمخاطر المحتملة. أما في العلاقة مع روسيا، فيتبنى نهجاً براغماتياً يبرّر استمرار التعاون مع موسكو، بالحاجة إلى تأمين الطاقة بأسعار معقولة، محذراً من كلفة القطيعة على المواطنين. وفي ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، يطرح نفسه مدافعا عن السيادة في مواجهة "بيروقراطية بروكسل"، رافضاً ما يعتبره تدخلاً في السياسات الوطنية. بهذا، يربط فيكتور أوربان القضايا الدولية مباشرة بالحياة اليومية، عبر رسالة مبسطة: "نحن نحميكم من الأزمات". إلا أن حملته الانتخابية الحالية تبدو أكثر تصعيداً، إذ تقوم على التخويف من "مستقبل مجهول" في حال خسارته، مع تحذيرات من جرّ المجر إلى الحرب أو فقدان سيادتها تحت ضغط أوروبي. ويستخدم "فيديز" أدوات دعائية متقدمة، بينها مقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب شبكة إعلامية واسعة تروّج لروايته السياسية. وعلى سبيل المثال، طلب أوربان الأحد (5 إبريل/نيسان الحالي) عقد اجتماع لمجلس الدفاع الوطني بذريعة وجود متفجرات كانت معدّة لتفجير خط أنابيب غاز مع روسيا، عشية الانتخابات، وقال إن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش أبلغه بوجود المتفجرات، وهو ما رأى فيه ماغيار حملة مبنية على "التخويف".  تقوم حملة أوربان على التخويف من "مستقبل مجهول" في حال خسارته خارجياً، يحظى فيكتور أوربان بدعم شخصيات مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويحافظ على علاقة وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما يمنحه هامش مناورة، لكنه يعمّق عزلته داخل الاتحاد الأوروبي. في المقابل، يطرح ماغيار خطاباً أكثر توازناً تجاه بروكسل، يدعو إلى إصلاح العلاقة دون التخلي عن المصالح الوطنية، ما يجعله خياراً مقبولاً أوروبياً. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تمثل هذه الانتخابات محطة مفصلية؛ إذ قد يؤدي فوز المعارضة إلى إنهاء سياسة التعطيل التي اتبعها أوربان لسنوات، واستعادة التعاون مع بروكسل، والإفراج عن الأموال المجمدة، وتعزيز وحدة الموقف الأوروبي تجاه روسيا وأوكرانيا. لذلك، وإن التزم الاتحاد الأوروبي رسمياً الحياد، فإن كثيراً من دوائره السياسية ترى في هذه الانتخابات لحظة "تنفس محتملة". انقسام داخلي واقتصاد تحت الضغط تعكس الحملة الانتخابية في المجر هذا العام انقساماً حاداً داخل المجتمع. ففي المدن الكبرى وبين الشباب، يتصاعد التأييد للتغيير بفعل الإحباط من الفساد وتراجع الخدمات، بينما يحتفظ فيكتور أوربان بقاعدة قوية في الأرياف وبين كبار السن، مدعوماً بسياسات اجتماعية وخطاب قومي محافظ، إلى جانب نفوذ إعلامي واسع يؤثر على تدفق المعلومات خارج المدن. اقتصادياً، تواجه المجر تباطؤاً في النمو وارتفاعاً في التضخم، مع اعتماد كبير على التمويل الأوروبي. وقد زاد تجميد نحو 20 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي، بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون، من الضغط على الحكومة، رابطاً بشكل مباشر بين الوضع الاقتصادي والعلاقة مع بروكسل، وهو ما يعزز خطاب المعارضة بقيادة بيتر ماغيار الداعي لإصلاح هذه العلاقة. سيناريوهات ما بعد الانتخابات خسارة أوربان قد تعني تحولاً استراتيجياً يشمل التقارب مع الاتحاد الأوروبي، تقليص النفوذ الروسي، وإعادة التموضع داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو). أما فوزه فمن المرجح أن يكرّس نهج "الديمقراطية غير الليبرالية"، كما يصورها الأوروبيون، ويعمّق الصدام مع بروكسل. ورغم تقدم المعارضة في الاستطلاعات، يحذر محللون من التقليل من حظوظ أوربان، الذي فاز بأربع انتخابات متتالية ويمتلك أدوات قوية تشمل الإعلام وشبكات النفوذ وموارد الدولة، وسط تساؤلات متكررة حول نزاهة المنافسة. في النهاية، لا تتعلق هذه الانتخابات بمستقبل المجر فقط، بل بموقعها داخل أوروبا: إما استمرار نهج المواجهة، أو العودة إلى شراكة أكثر انسجاماً مع الاتحاد الأوروبي، في قرار قد ينهي حقبة سياسية استمرت 16 عاماً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية