عربي
مع تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الخليج، أصبح مضيق هرمز محور أزمة بحرية غير مسبوقة تؤثر في حركة الملاحة العالمية، وتضع البحّارة السوريين العاملين على سفن أجنبية في قلب المخاطر.
فمنذ نحو شهر، أدى إغلاق المضيق إلى احتجاز عشرات السفن، ما حرم البحّارة من الحصول على الإمدادات الأساسية من طعام ومياه ووقود، وسط مخاطر أمنية متصاعدة وتغطية تأمينية محدودة ضد الحوادث في مناطق النزاع.
وتحمل الأزمة أبعاداً إنسانية مباشرة، إذ تزايدت حالات فقدان الاتصال بين الأسر وأبنائها البحّارة، ما أثار قلقاً واسعاً داخل العائلات والنقابات البحرية. وفي هذا السياق، يبرز الدور الحاسم للنقابات، مثل نقابة البحّارة السورية، التي تحاول متابعة أوضاع البحّارة العالقين، والتواصل مع المنظمات الدولية لضمان سلامتهم وحقوقهم.
فقدان الاتصال
منذ نحو شهر، لم تتلقَّ نائلة العكش أي خبر عن ابنها نبيل، الذي يعمل بحاراً على إحدى السفن التجارية الأجنبية العابرة للخليج. وقبل أيام من إغلاق مضيق هرمز، كان نبيل يتحدث إليها يومياً ليطمئنها على سير الرحلة ويشاركها تفاصيل العمل على متن السفينة، لكن فجأة توقفت المكالمات والرسائل.
تجلس الأم أمام هاتفها المحمول، تتفقد الرسائل مراراً، وتأمل أن يظهر أي رقم جديد على الشاشة. تقول بصوت متردد لـ"العربي الجديد": "لا أعلم إن كان بخير، أو حتى إن كان يعرف أننا نفكر فيه كل يوم. لقد أصبح كل شيء غامضاً… لا أخبار، لا معلومات، لا شيء".
وتصف الأيام الماضية بأنها "ساعات من القلق والانتظار بلا نهاية"، مضيفة أن الإغلاق المفاجئ للمضيق جعل التواصل شبه مستحيل، وأنها، مثل آلاف العائلات الأخرى، لا تملك سوى القلق والخوف على مصير أبنائها في البحر.
لكن الأم لم تكتفِ بالانتظار، إذ تواصلت مع نقابة البحّارة -فرع محافظة طرطوس- وأبلغتهم باسم ابنها الكامل، لتباشر النقابة الإجراءات اللازمة لتوثيق وضعه ومتابعة حالته ضمن السفن العالقة، والتواصل مع الجهات الدولية المعنية لضمان سلامته. وتتابع: "كل يوم أخشى أن أسمع خبراً سيئاً. هو بعيد عني آلاف الكيلومترات، لكن شعوري به لا يفارقني… أريد فقط أن أعرف أنه بخير، وأنه لن يُترك وحيداً وسط هذه الأزمة".
تحذيرات من كارثة إنسانية
بدوره، يؤكد مسؤول الاتصال مع الاتحاد الدولي لعمال النقل في سورية، المهندس البحري محمد حجوز، أن النقابة فقدت الاتصال بعدد من الطواقم البحرية الموجودة في مناطق التوتر نتيجة إغلاق المضيق، مشيراً إلى أن تحديد العدد الدقيق للبحّارة السوريين في تلك المنطقة يبقى أمراً صعباً، نظراً لعملهم على سفن ترفع أعلام دول أخرى، ما يجعل تتبعهم مؤسساتياً محدوداً.
ويوضح، في تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، أن النقابة تعتمد بشكل أساسي على الرسائل المباشرة من البحّارة أنفسهم، التي "ازدادت بشكل لافت منذ بدء التصعيد العسكري"، مضيفاً: "نتلقى تحذيرات متكررة من سفن موجودة ضمن نطاق التوتر، خاصة بعد بث الحرس الثوري الإيراني تنبيهات عبر موجات الاتصال البحرية (VHF) حول حظر العبور في المضيق". ويحذر من أن تراجع الإمدادات الأساسية من طعام ومياه ووقود قد ينذر بـ"كارثة إنسانية"، في حال استمرار إغلاق الممرات من دون أفق واضح للحل.
ويلفت حجوز إلى أن الأزمة كشفت عن أنماط متزايدة من الاستغلال، إذ لجأت بعض الشركات إلى فرض تمديد العقود، أو رفض طلبات الإعادة إلى الوطن، مستفيدة من غياب البدائل وصعوبة التنقل، في وقت يفتقر فيه البحّار السوري إلى أدوات ضغط قانونية فعالة. كما انعكس ذلك على الاستقرار الوظيفي، مع تراجع فرص التعاقد الجديدة، وتفضيل بعض الشركات جنسيات تتمتع بحرية حركة أكبر، ما أدى إلى انخفاض الدخل وتأخر الرواتب، من دون أي تعويض يتناسب مع ارتفاع مستوى المخاطر.
ويؤكد حجوز أن آلاف البحّارة ما زالوا عالقين في مناطق حساسة، خصوصاً في الخليج، وسط مخاوف من تعطّل الإمدادات الأساسية، وارتفاع الضغوط نتيجة العمل في بيئة غير مستقرة نفسياً وأمنياً. ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف التأمين البحري (War Risk) يُستخدم أحياناً ذريعة لتقليص التكاليف على حساب حقوق البحّارة، في وقت بدأت فيه شركات التأمين الدولية تقليص أو إلغاء تغطيتها في مناطق النزاع، ما يترك الطواقم عرضة لخسائر من دون أي حماية مالية أو قانونية.
ويرى المسؤول أن ما يواجهه البحّار السوري اليوم هو نتيجة "تراكم طويل من الهشاشة القانونية والتشغيلية، وليس مجرد انعكاس مباشر للأزمات الدولية الراهنة". ويضيف أن البحّارة السوريين كانوا يعملون منذ سنوات في بيئات عالية الخطورة، سواء على متن سفن قديمة، أو ضمن مناطق توتر مثل البحر الأسود خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، حيث استمرت حركة الملاحة رغم المخاطر المباشرة.
خصوصية التشغيل
ويشير إلى أن خصوصية التشغيل، القائم غالباً على العمل ضمن منظومة "أعلام المنفعة"، تضعه خارج نطاق الحماية الفعلية، سواء من حيث ضعف الرقابة على تطبيق معايير العمل الدولية، أو غياب التمثيل النقابي الفعّال، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بأي أزمة جيوسياسية.
ويضيف حجوز أن التحديات المزمنة، مثل صعوبة الحصول على التأشيرات، وتعقيدات الصعود إلى السفن أو النزول منها، كانت تشكّل عائقاً دائماً، إذ يُحرم كثيرون من حقوق أساسية كالإجازات أو النزول في الموانئ، فيما أصبحت ممارسات، مثل التمديد القسري للعقود، شائعة تحت ذرائع تشغيلية مختلفة.
ومع تفاقم التوترات الأخيرة في المنطقة، لا سيما إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الطيران، دخلت هذه المشكلات مرحلة أكثر حدّة، مع تعطل شبه كامل لعمليات تبديل الطواقم، وازدياد حالات الاحتجاز الفعلي للبحّارة على متن السفن.
ويختم بالقول إن "التحدي الأساسي لا يكمن فقط في إدارة الأزمة الحالية، بل في معالجة البنية الهشّة التي يعمل ضمنها البحّار السوري"، لافتاً إلى أن النقابة البحرية السورية تواصلت رسمياً مع الاتحاد الدولي لعمال النقل لتوثيق أوضاع البحّارة السوريين العالقين، وطلب تدخل دولي يضمن سلامتهم ويوفر دعماً قانونياً وإرشادات أمنية، "إلا أن الاستجابة الدولية تبقى مرتبطة بتطورات الميدان، رغم استمرار المتابعة ضمن الحدود المتاحة".

أخبار ذات صلة.
باكستان تكثف اتصالاتها في مسعى لوقف الحرب
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة