ترامب يهرب إلى الأمام
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تنتهي اليوم المهلة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، قبل أن تتعرّض لهجوم كاسح يحوّلها إلى "العصر الحجري" بحسب قوله، في إشارة قوية إلى احتمال قيام واشنطن بعمل عسكري شديد العنف. وفي المقابل، توالت طوال الفترة السابقة تهديداته للإيرانيين بضرورة التوصّل إلى اتفاق، من دون تحديد محتوىً واضحاً لذلك الاتفاق أو طبيعة مضمونه. وترامب يتبع، منذ إطلاق الحملة العسكرية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، نمطاً بندولياً في تصريحاته، فيقفز من النقيض إلى النقيض بلا مبرّر واقعي وخارج أيّ سياق منطقي. وهو ربّما يتعمّد إرباك خصومه وتضليل حلفائه بالضبابية في تحديد نياته الحقيقية. لذا، وبغض النظر عن دوافع ترامب من التناقض الكلامي، فإنّ الحاصل أنّ سلوكه الفعلي في الحرب الجارية على إيران يتّسم بالاتساق والوضوح، فهو يباشر عمليات عسكرية منظّمة ومتصاعدة تدريجياً، وفقاً لردّات فعل طهران وأدائها العملياتي. ورغم خسائر إيران الفادحة، إلا أنّها لم تُهزم حتى بالمعنى العسكري المباشر، وتدير الحرب سياسياً وإعلامياً بكفاءة تضارع بها الآلة الإعلامية الأميركية والإسرائيلية القوية. في المقابل، تراجعت قائمة أهداف واشنطن من الحرب، من تصفية النووي الإيراني إلى تغيير النظام، إلى إجباره على التفاوض. بينما ألقت طهران بالقفاز في وجه ترامب، حين أبلغت الوسطاء، قبل يومين، رفضها أيَّ مفاوضات. وأعلن مسؤولون إيرانيون أنّ طهران تعرّضت للخداع عبر التفاوض مرَّتَين، ولن تُخدَع مرّة ثالثة. وأمام هذا الموقف الإيراني، باتت خيارات ترامب محدودةً وصعبةً؛ فأيّ تراجع أو إنهاء للحرب من دون تحقيق أهدافها سيكون مهيناً للهيبة الأميركية ولغطرسة ترامب الشخصية. ومشكلة بحدّ ذاتها أن يسعى ترامب إلى إنجاز أهداف لم تعد محدّدةً بوضوح، بعد أن اضطر إلى تعديلها وخفض سقفها أكثر من مرّة. لكنّ عوامل الإحراج وتجنّب الإهانة ليست دوافع ترامب الأساسية، وإنّما هي حساباته المصلحية الداخلية، وبخاصّة مصير الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية المقبلة، ثم الرئاسيات التي ستبدأ حملتها الانتخابية بعد عام. صحيح أنّ ترامب لم يجد بعد وسيلةً لتجاوز العقبة الدستورية أمام ترشّحه في تلك الرئاسيات، لكن واجب اللحظة العاجل بالنسبة إليه ألا تكون الحرب الحالية بذاتها عقبةً جديدةً تستنزف فرصه في الاستمرار داخل البيت الأبيض. ثم تأتي العوامل الخارجية لتزيد خيارات ترامب تأزّماً، إذ تتّفق مواقف دول الخليج وإسرائيل على ضرورة إنهاء الحرب بشكلٍ يضمن تحصين المنطقة ضدّ الخطر الإيراني، حاضراً ومستقبلاً. أمام هذه التعقيدات، تتضاءل خيارات ترامب في الإدارة الاستراتيجية لتلك الحرب؛ إذ ليس أمامه سوى الاستمرار فيها حتى النهاية، أيّاً كانت تلك النهاية. ولعلّ هذا أحد أهم أسباب إطاحة قيادات عسكرية أميركية، مثل رئيس أركان القوات البرّية، لإبعاد أيّ أصوات معارضة لإدارة العمليات بالنمط الراهن. ولكنّ ترامب وأركان إدارته، وكذلك البنتاغون، يدركون جيّداً ضرورة تغيير النهج العملياتي ضدّ إيران، ليس بالضرورة لتحقيق نصر كامل أو فوز سريع، لكن، على الأقلّ، لإحراز تقدّم نسبي أو إنجاز جزئي يمكن تضخيمه إعلامياً وتسويقه في الداخل الأميركي ودول الخليج، وتوظيفه غطاءً للخروج من الحرب. يتطلّب هذا الخروج الملائم عملية كبيرة، مثل استخدام قنبلة نووية تكتيكية، ولو بواسطة إسرائيل، أو على الأقلّ القيام بإنزالات برّية متعدّدة والسيطرة على أهداف ونقاط استراتيجية إيرانية. وسواء بهذا الطريق أو ذاك، فالهدف هو كسر إرادة طهران وإجبارها على تليين موقفها، بما يتيح لترامب ادّعاء الانتصار وإنهاء الحرب بأقلّ إهانة لغطرسته ولكرامة واشنطن.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية