عربي
في وقتٍ تحاول فيه السلطات احتواء تقلبات سوق الصرف، تكشف تطورات الأسواق المصرية على الأرض عن صورة أكثر قتامة، حيث بدأت آثار الحرب في الخليج بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تتسلل إلى عمق النشاط التجاري اليومي، مُحدثة اضطراباً حاداً في آليات التسعير، وانهياراً تدريجياً في شبكات الائتمان التي تُشكّل العمود الفقري لحركة التجارة الداخلية، والإرث التاريخي في العلاقة بين المنتجين والموردين والموزعين للسلع.
وحذر اقتصاديون من سيناريوهات الاضطرابات بعد تراجع الجنيه المصري بنحو 14% إلى 15% أمام الدولار خلال شهر من اندلاع الحرب، مؤكدين أن "هذه المرة تأتي في سياق أكثر تعقيداً، مدفوعة بعوامل خارجية ضاغطة، وأخرى داخلية لم تُعالج جذورها بالكامل".
وأخطر ما أفرزته هذه التطورات، وفق تجار وموزعين تحدثوا لـ"العربي الجديد"، ليس ارتفاع الأسعار فقط، بل انهيار منظومة العلاقات التجارية القائمة على الائتمان. يقول صاحب متجر وسط القاهرة، أحمد الزغيبي، إن التاجر كان يحصل على بضائعه بالدَّين بناءً على ثقة ممتدة مع المورد، لكنه أصبح اليوم مطالباً بالدفع النقدي المسبق، وفي كثير من الأحيان بأسعار تتغير خلال ساعات.
وأضاف أحد الموزعين في سوق الأجهزة الكهربائية داخل مركز تجاري شهير، غرب القاهرة، أن "قرار وقف البيع الآجل لم يعد اختياراً، بل ضرورة فرضتها تقلبات الدولار"، مشيراً إلى أن الموردين أنفسهم لم يعودوا قادرين على تثبيت الأسعار، في ظل تغيّر تكلفة الاستيراد يومياً، بل وأحياناً لحظياً.
وتجلّت هذه الفوضى في واقعة رصدها "العربي الجديد" مع الطبيب سيف الدين إبراهيم (29 عاماً)، الذي فوجئ بعد دفعه ثمن أجهزة كهربائية في أحد متاجر شارع عبد العزيز برفض الموزع تسليم البضاعة، مطالباً بزيادة فورية بنسبة 7% عقب اتصال هاتفي من المورد برفع السعر. وتعكس هذه الواقعة، التي لم تكن لتحدث في ظروف مستقرة، كيف تحولت السوق من نظام تعاقدي قائم على الالتزام إلى نظام مرن تحكمه شاشات سعر الصرف.
في المقابل، يدفع المستهلك الثمن الأكبر لهذه الاضطرابات. ويذكر الشاب المقبل على الزواج، سيف الدين إبراهيم، أنه حاول استغلال تراجع أسعار الذهب عالمياً لشراء "شبكة العروس"، لكنه اصطدم بواقع مغاير، حيث ارتفعت الأسعار محلياً، في ظاهرة تعكس انفصال السوق الداخلية عن الاتجاهات العالمية.
ولم تقتصر هذه المفارقة على الذهب، بل امتدت إلى الأجهزة المنزلية، حيث أوقفت إحدى سلاسل البيع الكبرى عمليات البيع مؤقتاً لحين إعادة تسعير المنتجات، بعد زيادات بلغت 15% عقب عطلة عيد الفطر، مع توقعات بمزيد من الارتفاع خلال أيام، مدفوعة بصعود الدولار إلى نحو 55 جنيهاً في البنوك، وبلوغه 62 جنيهاً في المعاملات الآجلة.
وأكد رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية، حازم المنوفي، أن حالة الحرب دفعت التجار إلى وقف البيع الآجل عبر نظام الائتمان لكل البضائع المستوردة، خاصة تامة الصنع، لارتباط أسعارها بسعر الدولار وتطورات الحرب وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد، مشيراً إلى تفضيل الموردين الحصول على مستحقاتهم نقداً وفوراً، بعد أن كانت فترات الائتمان تمتد من شهر إلى عدة أشهر.
وأوضح المنوفي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن السلع المحلية تظل رهينة للعلاقة بين المورد والموزع، حيث أدى توافرها إلى استقرار نسبي في هذه العلاقة، لافتاً إلى وجود مخزون كبير لدى الدولة من السلع الأساسية والغذائية، مثل السكر والدقيق والأرز والحبوب، يكفي لعدة أشهر، ساهم في ردم الفجوة السعرية، والتخفيف من حدة الارتفاعات، على عكس السلع المستوردة التي يصعب تحديد تكلفتها على مدار الساعة، بسبب ارتباطها بتطورات الحرب.
وأشار إلى أن البيع الآجل أصبح شبه متوقف، بينما يظل البيع النقدي متاحاً للسلع المتوافرة في السوق، في حين لا يجري تسعير السلع التي لا تزال في طريقها إلى البلاد إلا بعد وصولها إلى مخازن التوزيع.
وبيّن أن ارتفاع الأسعار يقلق التجار بقدر ما يقلق المستهلكين، إذ يؤدي إلى تآكل هوامش الربح ورؤوس أموال التجار، ويُبطئ من دورة رأس المال في ظل تراجع القدرة الشرائية، ما يدفع الأسواق نحو الركود، ويحدّ من قدرة الدولة على احتواء هذه التداعيات، خاصة مع طول أمد الحرب واتساع نطاقها.
في سوق الذهب، تتجلى حالة القلق بشكل أكثر وضوحاً، فبينما تراجعت الأونصة عالمياً إلى 4678 دولاراً بنسبة تقارب 3%، حافظت الأسعار المحلية على مستويات مرتفعة، مع اتساع الفجوة بين السعر المحلي والعادل إلى أكثر من 130 جنيهاً (الدولار = نحو 54.4 جنيهاً). وتعكس هذه الفجوة، وفق منصة "آي صاغة"، ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر"، حيث يلجأ التجار إلى التحوط ضد تقلبات الدولار، وعدم وضوح الرؤية في سوق "تحاول الدفاع عن نفسها بأي ثمن"، حتى لو جاء ذلك على حساب السيولة.
وفي السياق ذاته، يقدم أستاذ التمويل ورئيس هيئة الرقابة المالية السابق، محمد عمران، قراءة أكثر عمقاً، مؤكداً أن مصر "ليست في أزمة عملة حالياً"، لكنها تواجه "إشارات تحذير متزايدة". ويشير عمران، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إلى أن تراجع الجنيه بنحو 15% منذ اندلاع الحرب يعكس الحاجة الملحّة إلى بناء "مناعة اقتصادية"، عبر إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية والادخار المحلي، وتقلل الاعتماد على التدفقات الخارجية.
وفي ورقة بحثية قدمها لمبادرة الإصلاح العربية، الأسبوع الماضي، بعنوان "إشارة تحذير وليست أزمة بعد"، يحذر عمران من أن تجاهل نقاط الضعف الهيكلية قد يؤدي إلى تكرار نمط الأزمات السابقة، في ما يشبه "حلقة مفرغة" تعود فيها الضغوط المالية بأشكال مختلفة.
وتوضح الدراسة، التي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منها، أن تأثير الحرب الإقليمية لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الاقتصاد المصري عبر عدة قنوات، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة، وخروج الاستثمارات الأجنبية، وتباطؤ تحويلات العاملين بالخارج، التي تُعد من أهم مصادر العملة الصعبة، إذ تجاوزت 40 مليار دولار في 2025.

أخبار ذات صلة.
حين يفقد العالم معناه... هل ينقذنا الأدب؟
العربي الجديد
منذ 26 دقيقة