الجوع في سورية... ثمانية من كل عشرة أشخاص لا يملكون تأمين الغذاء
عربي
منذ ساعة
مشاركة
ليست أزمة الغذاء في سورية مجرّد نتيجة طبيعية لسنوات الحرب، وإنما نتيجة لواقع الفقر والحرمان الذي تتوارثه العائلات. وبينما تُبقي المساعدات الإنسانية ملايين السوريين على قيد الحياة، فإنها غير كافية لكسر هذه الدائرة المغلقة. لم يعد الجوع مشهداً طارئاً أو حالة استثنائية في سورية، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لملايين السكان، في ظل تدهور معيشي مستمر، وعجز متزايد عن تأمين أبسط مقومات العيش، مع اتساع رقعة انعدام التغذية، وعدم القدرة على توفير أبسط الحاجات في ظل تآكل القدرة الشرائية. وكشفت أحدث الدراسات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي أن أوضاع التغذية في سورية هشّة للغاية، خصوصاً بالنسبة للأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات، إذ يعتبر نحو 80% من الأهالي غير قادرين على تأمين غذاء كافٍ ومتنوع بشكل مستقر، ما يعني أن ثمانية من كل عشرة سوريين يعيشون حالة انعدام أمن غذائي مزمن، ولا تتوفر لديهم ضمانات يومية للحصول على وجبات كافية. يشير برنامج الأغذية العالمي في تحديثه الصادر في 4 مارس/آذار 2026، والذي يغطي شهر يناير/كانون الثاني من العام نفسه، إلى تحسّن طفيف في بعض المؤشرات، يقابله استمرار العجز العميق لدى غالبية السكان، إذ ارتفعت نسبة الأسر الآمنة غذائياً من 11% في عام 2024 إلى 18% في 2025، لكن هذا التحسن لا يغيّر من حقيقة أن الغالبية الساحقة لا تزال غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية. 600 ألف طفل سوري دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، من بينهم 177 ألف طفل في حالة هزال وخلال يناير 2026، وصل برنامج الأغذية العالمي إلى 6.7 ملايين شخص داخل سورية، 48% منهم من الذكور، و52% من الإناث، ووزّع نحو 36 ألفاً و700 طن من المواد الغذائية، كما ضخّ نحو 20 مليون دولار في الاقتصاد المحلي عبر تحويلات نقدية، بمتوسط 100 دولار لكل أسرة مستفيدة، في محاولة لدعم القدرة الشرائية المتدهورة. رغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات هائلة، إذ يحتاج 6.4 ملايين شخص إلى مساعدات غذائية يومية للبقاء على قيد الحياة، فيما يعتمد نحو أربعة ملايين شخص على الخبز المدعوم مصدراً أساسياً للغذاء. يبرز أطفال سورية بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة، إذ يعاني نحو 600 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية حاد، من بينهم 177 ألف طفل في حالة هزال يهدد حياتهم بشكل مباشر، كما تجاوز عدد الأطفال الذين يعانون من التقزم 690 ألفاً، بعد ارتفاع المعدلات من 12.6% في عام 2019 إلى 16.1% في 2023، ما يعكس آثاراً طويلة الأمد على النمو والصحة والإنتاجية المستقبلية. وتزداد الصورة قتامة في ظل ضعف خدمات التغذية، إذ أظهر مسح أُجري في فبراير/شباط 2025 أن أقل من ربع السكان يحصلون على خدمات التغذية الأساسية، بما في ذلك الفحص والعلاج والإرشاد الغذائي، كما بيّن تحليل في عام 2024 وجود فجوات كبيرة في التغطية، خاصة في محافظات السويداء والحسكة والرقة ودير الزور وريف دمشق ودرعا، إضافة إلى مناطق واسعة من حماة وحمص وإدلب وحلب. ولا تقتصر الأزمة على نقص الغذاء، بل تمتد إلى طبيعة الأنظمة الغذائية نفسها، إذ تعتمد معظم الأسر على البقوليات والمواد النشوية، مع محدودية شديدة في استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان والفواكه نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. في موازاة ذلك، يواجه قطاع التغذية تحديات تمويلية حادة تهدد استمراريته، ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى 175 مليون دولار لتغطية عملياته خلال الأشهر الستة الممتدة من مارس إلى أغسطس/آب 2026، من أصل 473.6 مليون دولار هي إجمالي احتياجاته للنصف الأول من العام الحالي، ويحذر البرنامج من أن أي تأخير أو نقص في التمويل سيؤدي إلى تقليص المساعدات، ما قد يدفع ملايين الأشخاص الإضافيين نحو الجوع الحاد. وتفاقمت أزمة التغذية مع تراجع التمويل الدولي، بما في ذلك تعليق الولايات المتحدة بعض أشكال الدعم، ما أدى إلى فجوات كبيرة في تقديم الخدمات، خاصة في مناطق الشمال السوري، وتشير البيانات إلى أن 416 ألف طفل في شمال غرب سورية وشمال شرقها أصبحوا أكثر عرضة لخطر سوء التغذية، فيما بقيت 1909 حالات هزال شديد مع مضاعفات من دون علاج بسبب نقص التمويل. في مناطق الشمال الغربي، تأثرت 13 مشروعاً تنفذها ثماني جهات شريكة، ما انعكس على أكثر من 40 ألف طفل و17 ألفاً و705 نساء حوامل ومرضعات، كما تعطلت خدمات 17 منشأة صحية، و116 فريقاً متنقلاً، وانقطعت خدمات التغذية عن 213 مجتمعاً محلياً، بما في ذلك خمسة مراكز متخصصة بعلاج سوء التغذية الحاد الوخيم. يرجع الخبراء أسباب الجوع والفقر الغذائي إلى عوامل متعددة متداخلة، من بينها التداعيات الطويلة للصراع الذي دمر الاقتصاد والبنية التحتية الزراعية والصحية، وارتفاع الأسعار، وانخفاض القدرة الشرائية، والقيود المفروضة على تمويل المساعدات الإنسانية، ونقص الاستثمار في الإنتاج المحلي، كما تلعب التغيرات الديمغرافية وموجات النزوح دوراً مهماً في صعوبة الوصول إلى الأسر الأكثر حاجة. بدورها، تؤكد وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية هند قبوات أن نحو 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة تزداد اتساعاً، ما يجعل تأمين الغذاء المتوازن أمراً شبه مستحيل بالنسبة لغالبية الأسر. وكشفت قبوات أن الرواتب لا تزال منخفضة رغم زيادتها مؤخراً بنسبة 100%، إذ تتراوح بين 200 و300 دولار، في حين يبلغ متوسط إيجار المنزل في العاصمة دمشق نحو ألف دولار. ويحذر الباحث الاقتصادي عامر خربوطلي من أن سورية تعيش أعلى معدل فقر في تاريخها الحديث، وأن المراكز البحثية تقر بأن نسبة الفقر لا تقل عن 80% من إجمالي عدد السكان، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن "توصيف الواقع الراهن يتطلب تشريحاً دقيقاً يفصل بين الأزمات الطارئة والاختلالات البنيوية التي تلتصق أصلاً بضعف الاقتصاد وتراجع مستويات المعيشة وانخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية. معالجة الفقر في سورية تتطلب نهجاً شمولياً متعدد الأبعاد يجمع بين التدخلات قصيرة الأمد لإنقاذ الفقراء عبر برامج دعم مالي مستهدفة، واستراتيجيات طويلة الأمد لبناء القدرات وتعزيز النمو الشامل والمستدام". في السياق نفسه، تؤكد خبيرة التغذية لبنى الموحد لـ"العربي الجديد" أن "الوضع الغذائي في سورية هش للغاية، وملايين الأطفال والنساء معرضون لمخاطر صحية حادة، ويمكن أن يؤدي أي نقص في التمويل أو توقف المساعدات إلى كارثة إنسانية حقيقية. نحتاج إلى معالجة مزدوجة تشمل الدعم العاجل لتوفير الغذاء والمساعدات الغذائية، وبرامج طويلة الأمد لتعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع خدمات التغذية والصحة، وتحسين الوصول إلى المياه والصرف الصحي، وتثقيف الأسر حول التغذية المتوازنة ضمن الموارد المتاحة". وتضيف الموحد: "الاستثمار في الزراعة وفي برامج التغذية للأطفال والنساء الحوامل وإعادة بناء البنية التحتية للصحة العامة كلها عناصر أساسية لكسر الجوع والفقر، كما أن التوزيع المستهدف للمساعدات وفق تقييمات أممية ومحلية يمكن أن يقلل من الوفيات، ويحافظ على صحة الأجيال. تشير التجارب الدولية إلى أن الجمع بين المساعدات الإنسانية الفورية والاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية والصحة والزراعة يمكن أن يخفف من وطأة الجوع، ويعيد بناء قدرات المجتمعات. ما يحتاجه السوريون اليوم هو ألّا يُتركوا على حافة الجوع، وأن تتوفر لهم حماية مستدامة لضمان وجبة يومية، ربما لسنوات قادمة". وخلف كل هذه المؤشرات والتوصيفات الدولية، تتجلى الأزمة بوجهها الأكثر قسوة في تفاصيل الحياة اليومية، إذ تتحول الأرقام إلى قصص معاناة فردية تختصر عمق الانهيار. عاد الخمسيني خلدون الفاضل إلى زاويته الصغيرة عند مدخل أحد أحياء دمشق الشعبية، يفرش أكياسه القماشية، ويرتب ما تبقى من أعشاب مجففة، بابونج، وزعتر بري، وبعض المريمية التي لم تعد تجد من يشتريها إلا نادراً.  قبل سنوات، كان الفاضل موظفاً في مديرية الكهرباء براتب ثابت، وإن كان متواضعاً، لكنه كان يكفي لإبقاء عائلته على حافة الاستقرار. اليوم، وبعد فصله من عمله، تحوّلت حياته إلى سلسلة من معادلات البقاء اليومية. يقول لـ"العربي الجديد": "أبيع طوال النهار كي أجمع ما يعادل ثمن ربطة خبز وبعض الخضار. الزبائن يسألون عن السعر أكثر مما يشترون، والأعشاب أصبحت كماليات، مثلها مثل اللحم والدجاج. لم أعد قادراً على شراء الدواء لزوجتي المصابة بمرض مزمن، ولا حتى تأمين غذاء متوازن لأولادي. نأكل لنعيش، وليس لنشبع". في منزل متواضع على أطراف ريف دمشق في الغوطة الشرقية، تعيش رمزية النشواتي مع أطفالها الأربعة في غرفة واحدة تقيهم برد الشتاء وحرّ الصيف. زوجها مفقود منذ سنوات، ولم تتمكن حتى اليوم من إثبات وفاته، أو الحصول على أي تعويض، وهي تعتمد على ما تجنيه من تنظيف المنازل بين الحين والآخر، لكنها تعود أحياناً خالية اليدين. تقول لـ"العربي الجديد": "أكبر همومي هي الوجبة اليومية. أحياناً نكتفي بالخبز والشاي، وأحياناً نطبخ عدساً أو أرزاً إن توفر. الأطفال لم يعتادوا طعم العديد من الفواكه، فهم يسمعون عنها فقط".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية