عربي
لطالما كانت "السوشيال ميديا" فضاءً للتعبير، إلا أن هذا الأمر أفرز عدة ظواهر، أبرزها التعليقات السلبية وغير اللائقة، بطريقة مزعجة تخلو من اللباقة والاحترام للآخرين، خاصة مع غياب الرقابة.
هذا ما طرق باب أفكاري وأنا أتصفح حسابي على مواقع التواصل، فاستوقفني منشور لأحدهم يتساءل، مستنكراً، بما معناه: هل الفتاة بعد وصولها إلى سن معينة وتصبح "عانساً" – مع ملاحظة أنه استخدم هذه الكلمة غير اللائقة – تملك حق الاختيار؟! وقبل أن تنفض الدهشة من المنشور الأول وفحواه غبارها عن أفكاري، اصطدمت بمنشور آخر يتساءل صاحبه: عانس في أواخر العشرينيات، طلب أهلها الطلبات التالية عند تقدمي لخطبتها، ثم يتساءل مستنكراً: أليست هذه المطالب كثيرة؟!
– مع العلم أنها طلبات عادية –
أغلقت بعدها مواقع التواصل ولم أنظر إليها لساعات، وبدأت أفكر في كلمة "عانس"، هذه الكلمة التي تُطلق في مجتمعنا على الفتاة إذا ما تجاوزت سناً معينة ولم تتزوج لأي سبب من الأسباب.
ومع أن العالم تطور، ومع أن استخدام هذه الكلمة في الأوساط المجتمعية، خاصة بين الفتيات وأنصار حقوق المرأة، أمر مستهجن – فهي كلمة غير مستحبة – لا تزال، مع ذلك، مستخدمة على نطاق واسع!
وأول ما استوقفني في الموقف السابق أن كاتب المنشور لم يشعر بأي حرج وهو يصف فتاة بهذا الوصف، مع علمه أنه أمر غير مستحب. ليس هذا فحسب، بل إنه سمح لكلماته أن تصادر، بمنتهى البساطة، حق فتاة في الاختيار، مع أن هذا الأمر ليس من حق هذا الشخص أو غيره، ولا من حق أهل الفتاة ولا مجتمعها؛ لأنه حق من أهم الحقوق الإنسانية، خاصة إذا ما تعلق الأمر بعلاقة كالزواج، جعل الإسلام الإيجاب والقبول من أهم شروطها.
والمؤسف أن هذه النظرة التي عبّر عنها هذا الشخص ليست فردية، بل هي نظرة شريحة واسعة من أبناء المجتمع، وهذا ما استنتجته من المنشور الثاني، الذي كان صاحبه ينعت فتاة في أواخر العشرينيات باللفظ نفسه!!
بحسب اعتقادي، فإن أي فتاة إذا ما تعرضت لهذا الموقف – وهنا أتحدث بوصفي واحدة من معشر الإناث – فإن أول ما يخطر ببالها أن "العنوسة"، مع أني لا أفضل استخدام هذا المصطلح، تصبح فخراً عندما لا تجد الفتاة من يحترمها، ويراعي عقلها، ويقدر مشاعرها، ويقدم لها الاحتواء الذي تحتاج إليه الأنثى بفطرتها، ويعاملها بشكل جيد؛ فسيكون من الأفضل عدم زواجها.
"العنوسة" تصبح فخراً عندما لا تجد الفتاة من يحترمها، ويراعي عقلها، ويقدر مشاعرها، ويقدم لها الاحتواء الذي تحتاج إليه الأنثى بفطرتها، ويعاملها بشكل جيد؛ فسيكون من الأفضل عدم زواجها
فيكفي "العانس" – كما يقولون – فخراً أنها لن تمر بتجربة زواج قد تكون فاشلة بامتياز لأي سبب من الأسباب – وهي كثيرة، وكلها تؤدي إلى طريق واحد، وهو فشل الزواج، ثم الطلاق. والناظر اليوم إلى نسب الطلاق في المجتمعات العربية يجدها مرتفعة جداً، ومن يبحث في الأسباب يرى أن كثيراً منها يمكن معالجته ثم تلافيه والوقاية منه، ولن ينتهي الأمر بهذه السيدة بأن تخوض تجربة زواج عرجاء.
وباختصار، فإنني أرى أن المقاييس الاجتماعية العرجاء والعادات التي ترتبط بحياة مجتمعنا، هناك الكثير منها له آثار سلبية على حياة الناس، فينتج عنها وضع الأشياء في غير مسمياتها الحقيقية. فبدلاً من أن نسمي الفتاة التي لم تتزوج بعد بلوغها سناً معينةً "عانساً"، يمكن أن نسميها "فتاة ناضجة"، لأنها تكون كذلك. وبدلاً من قولبة سلوك غريب عن ديننا ومجتمعنا وعاداتنا، حتى يصبح أمراً عادياً، وهو في الحقيقة غريب عن ديننا، حيث حثنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على الرفق بالمرأة، وعن عاداتنا الصحيحة غير المشوهة.