عربي
استطاعت الدراما اللبنانية أن تحجز لها موقعاً على الخارطة العربية، ولا سيّما بعد أكثر من عقد على تجربة ما يُعرف بالدراما المشتركة التي قامت على الاستعانة بممثلين سوريين ومصريين، إلى جانب اللبنانيين.
أسهم هذا النمط الإنتاجي في تعريف الجمهور العربي إلى الوجوه اللبنانية، ومنحها حضوراً أكبر خارج حدودها المحلية. إلا أنّ هذا الحضور بقي إلى حدّ بعيد رهينة شركات إنتاج تتحرك وفق مصالحها الخاصة بالدرجة الأولى، وليس وفق مشروع متكامل للنهوض بالصناعة الدرامية اللبنانية.
في المقابل، هناك عشرات الأعمال اللبنانية المحلية التي لم تجد طريقها إلى الفضاء العربي، وبقيت حتى اليوم أسيرة الشاشات المحلية، التي تساهم في تمويلها وإنتاجها. هذا الواقع يفرض نوعاً من الحصار ضمن أفق ضيق، ويحدّ من قدرة هذه الأعمال على الانتشار، رغم أنّ بعضها يمتلك مقومات فنية كان يمكن، لو أُحسن تطويرها وتنفيذه، أن يخترق السوق العربية، أو على الأقل منافسة صناعات درامية راسخة في القاهرة ودمشق، وحتى في تركيا.
في عام 2018، عُرض مسلسل "ثورة الفلاحين"، وهو عمل من ستين حلقة، كتبته كلوديا مرشليان وأخرجه فيليب أسمر، وأنتجته شركة إيغل فيلمز لصاحبها جمال سنّان. حقق المسلسل نجاحاً ملحوظاً ونسب مشاهدة مرتفعة، كما بيع لاحقاً لمنصة نتفليكس.
وعلى الرغم من ذلك، لم يخلُ العمل من ملاحظات تتعلق بضعف في بناء الرواية التاريخية، واجتزاء بعض الوقائع، وغياب التوثيق الدقيق الذي يُفترض أن يؤرخ لمرحلة حساسة من تاريخ لبنان، خاصة تلك المرتبطة بمقاومة الإقطاع.
شكّل هذا العمل، إلى جانب غيره، نقطة انطلاق لمحاولات إنتاج دراما لبنانية خالصة، من دون الاعتماد على العنصر السوري أو غيره. ومن بين هذه المحاولات، مسلسل "بالدم"، من كتابة نادين جابر وإخراج فيليب أسمر، والذي أنتجته "إيغل فيلمز" ليكون خطوة أولى في هذا الاتجاه. وقد حقق العمل نجاحاً نسبياً في لبنان وبعض الدول العربية، إلا أنّ هذا النجاح لم يكن كافياً لإقناع بقية المنتجين بالدخول في مغامرة الاستثمار في الدراما اللبنانية الخالصة.
في المقابل، لا تزال شركة الصبّاح تعتمد على نموذج الدراما المشتركة، سواء خلال موسم رمضان أو خارجه. وقد تحوّل هذا الخيار مع الوقت إلى استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على شراكات واضحة، لا سيما مع منصات تابعة لمجموعة إم بي سي، إذ يجري التعاون في رسم الخطوط العريضة للإنتاجات الدرامية، بدءاً من اختيار الأفكار ودراسة النصوص، وصولاً إلى انتقاء الممثلين الأقدر على جذب الجمهور العربي.
تعاني الدراما اللبنانية منذ سنوات من أزمات بنيوية، أبرزها ندرة الكتّاب، وغياب عدد كافٍ من المخرجين القادرين على حمل مشاريع كبيرة. ففي مسلسل "ع أمل" (2024)، من كتابة نادين جابر وإنتاج "إيغل فيلمز"، استُعين بالمخرج السوري رامي حنّا، في ظل محدودية الخيارات المحلية.
وفي العام التالي، عادت الشركة نفسها للاعتماد على المخرج اللبناني فيليب أسمر لإخراج عملين جديدين، اعتُبرا محاولة لتعزيز حضور الدراما اللبنانية وتوسيع انتشارها. ورغم الحديث عن نجاح هذه الأعمال، فإنها تبقى محكومة باتفاقيات إنتاجية وتوزيعية، أبرزها تلك التي تجمع جمال سنّان مع مجموعة إم بي سي وفضائيات أخرى، ما يجعل انتشارها مرتبطاً بشروط السوق أكثر من كونه نتيجة مشروع وطني متكامل.
هكذا، يصعب على الدراما اللبنانية أن تنطلق بحرية إلى الفضاء العربي الأوسع، ما دامت تفتقر إلى مقومات الصناعة المتكاملة: نصوص قوية، ورؤى إخراجية متجددة، وبنية إنتاجية مستقلة نسبياً. ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل يجرؤ منتج ما على خوض مغامرة إنتاج دراما لبنانية خالصة، تُبنى على أسس فنية وصناعية واضحة، بهدف إثبات أن لبنان قادر ليس فقط على تنفيذ الأعمال، بل على صناعتها وتصديرها أيضاً؟
