تركيا مدت اليد إلى مصدر قوتها... الاحتياطي النقدي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا شيء تفاخرت فيه تركيا، خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب ارتفاع عدد الزوار الأجانب وعائدات السياحة وقيمة الصادرات، كما ضخامة الاحتياطي الأجنبي بمصرفها المركزي، معتبرة، الدولار والذهب، خط الأمان الأخير لعملتها الليرة والبلاد، وكلمة الطمأنة الأكثر صدى وجذباً للمستثمرين بالخارج الذي يتوجّسون من تراجع سعر العملة أو يشوبهم القلق على رساميلهم في بلد ساخن، على الأقل لجواره إيران وإسرائيل اللتين تحيلان المنطقة برمتها، إلى جغرافيا طاردة للاستثمار أو للتوجس والعد للعشرة، قبل أن تأتي الأموال والشركات الكبرى.  ويعرف من يتابع الاقتصاد التركي وتصريحات المسؤولين، أيّما انتشاء وفخر لفّ البلاد مطلع العام الجاري، وقت بلغ الاحتياطي بالمصرف المركزي، الأعلى بتاريخ تركيا، بعد أن اتجهت، منذ عامين لشراء الذهب وزيادة الاحتياطي الدولاري، ليقول المصرف المركزي التركي إن احتياطياته في يناير/كانون الثاني سجلت "قفزة تاريخية غير مسبوقة" متجاوزة قيم العامين السابقين بتسجيلها 205.2 مليارات دولار.  وكسر البنك المركزي، حاجز 200 مليار دولار من الاحتياطي النقدي، لأول مرة في تاريخه، بعد حيازته ذهباً، تصل قيمته نحو 121 مليار دولار جراء ارتفاع الأسعار عالمياً، والمخاوف التي وضعت الذهب في مقدمة الملاذات الآمنة، إلى جانب احتياطي نقدي دولاري وصل، في يناير، إلى 84.1 مليار دولار. بيد أن نشوة المسؤولين وعسل المصرف المركزي، لم يستمرّا أكثر من شهرين، فما إن بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، نهاية فبراير/شباط، وبدأ شرر نيرانها يتطاير لتركيا والمنطقة والعالم، حتى عاودت تركيا طريقتها التقليدية بحماية الليرة التركية التي دفعت من قيمتها ما يكفي خلال السنوات السابقة، إذ وخلال عام 2025 فقط، خسرت الليرة نحو 21% من قيمتها جرّاء تراجع سعر الصرف، من نحو 33.3 ليرة للدولار مطلع العام إلى نحو 42.7 نهاية 2025. لتجنح أنقرة للاحتياطي، مفضلة على ما يبدو، ضخ دولار في السوق أو بيع الذهب، على رفع سعر الفائدة المصرفية التي بدأتها عام 2026 بـ38% وهي تتطلع لمزيد من التخفيض ضمن سياسة تيسير تحقق حلم برنامج الإصلاح الاقتصادي وبلوغها مرتبة الآحاد خلال عامين، إلّا أن جنون الحرب وآثارها، على الاقتصاد التركي والليرة، حالت دون متابعة الخطة النقدية، لتتوقف "لجنة السياسات بالمصرف المركزي" عن تخفيض سعر الفائدة، بعد تخفيض يناير بمئة نقطة أساس، وتثبيت سعر الفائدة خلال الشهرين الماضيين، عن 37% حتى اليوم. وتمد اليد إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي. قصارى القول: كبيرة، إن لم نقل مرعبة، الأرقام التي تداولها الإعلام التركي والوكالات العالمية لحجم تدخل المصرف المركزي بالسوق، منذ بدء الحرب على إيران حتى نهاية، آذار/مارس. فتبديد نحو 45 مليار دولار من الاحتياطي النقدي "ذهباً ودولاراً" وفق وكالة رويترز يوم 28 مارس يحيل مشهد القوة والتفاخر، إلى تشكيك إن لم نقل هشاشة الاقتصاد، أو، بصيغة وعبارات لطيفة ومنمقة، يحيل تركيا إلى الدول المتأثرة كثيراً بالحرب، وهذا رغم عدم وصول نيران الحرب مباشرة لجغرافيتها ورغم محدودية تبادلها التجاري مع إيران الذي لم يزد، العام الماضي عن 8 مليارات دولار. الأمر الذي يضعنا أما سؤال احتمالي: ماذا سيحدث للاحتياطي الأجنبي بالمصرف المركزي التركي، فيما لو استمرت الحرب لشهر إضافي أو بلغت مبالغ خطرة، كأن تدخل تركيا طرفاً فيها، ولو من قبيل مشاركة دول حلف الشمال الأطلسي "ناتو" بحماية الملاحة في مضيق هرمز.  والسؤال الآخر الذي يتوثب على الشفاه أيضاً: ترى أيّ حضيض كانت ستهوي إليه الليرة التركية، فيما لو لم يتدخل المصرف المركزي بهذا الكم الهائل من الدولار والذهب؟! وأيضاً، من الأسئلة المشروع طرحها، أيّ آثار وصدى عن الاقتصاد التركي، وعلى جاذبية المناخ الاستثماري ومتانة الاقتصاد، كانت ستفوح، لو تريّث المصرف المركزي بالتدخل، أو قنّنه، هذا إن لم نقل عن الكوارث، فيما لو لم تك تركيا محتاطة وأعدّت العدة بالذهب والدولار الأبيض، لمثل هذه الظروف السوداء التي تجتاح المنطقة وأخلّت بالاقتصاد العالمي. لننهي الأسئلة بتُرى، أأخطأت تركيا بكل هذا التدخل ومد اليد للاحتياطي، أم أنّ التدخل وتبديد جزء من احتياطي هائل، أقل ضرراً مما كان سيحدث، لو تركت الليرة للعرض والطلب والاقتصاد لمصيره والتضخم لفخه العميق الذي لم تعرف الخطط وبرامج الإصلاح من إبعاده عن 31% حتى الآن؟ نهاية القول: ترى، كيف يمكننا صياغة إجابة، أو إجابات فيما لو سألنا عن الموجب والسالب بتدخل مصرف تركيا المركزي بالسوق وبهذه الكتل الكبيرة والمدة الزمنية المحدودة؟! الموجب والسالب ليس على الاحتياطي الأجنبي وتفاخر تركيا به، أو على الليرة التي اهتزّت ثقة المكتنزين والمدّخرين بها ونزيفها المستمر هبوطاً منذ أعوام، بل وعلى الاقتصاد الكلي الساعي لاستعادة مجد نسبة النمو السابقة، والمتطلع لجذب استثمارات خارجية، والمتفائل بلوغ العشرة الأوائل عالمياً، بعد دخوله مجموعة العشرين منذ مطلع الألفية وبلوغها المرتبة السادسة عشرة اليوم، بعد زيادة قيمة الناتج الإجمالي عن 1.5 تريليون دولار. بداية لا بدّ من الاعتراف أنّ انتقال تركيا التي كانت تتنكر أو تتجمل، إلى مرحلة الإدارة النشطة للأزمات، وعلى نحوٍ علنيّ ومكشوف، عبر تدخل المصرف المركزي المباشر، هي خطوة شفافية وسياسة واقعية "إن لم نطلق أحكام قيمة من قبيل الحكيمة والمسؤولة" وتحسب للحكومة، بصرف النظر عن عواقبها.  كما أنّ لجوء تركيا، إلى حلول أخرى وموازية، من تعزيز الاحتياطي عبر سندات الخزانة ورهن بعض احتياطيات الذهب، كتلك الموجودة بلندن، تحسب لصناع القرار الاقتصادي لمواجهة ضغوط التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات الإقليمية، المرشحة للتفاقم والمفتوحة على غير احتمال. بعد ذاك والاعتراف به، يمكن القول إنّ الأثر سيكون كبيراً على الاحتياطي الأجنبي، خاصة إن طال أمد الحرب واستمرت أسعار النفط والمواد الأولية بالارتفاع، لأنّ فاتورة استيراد الطاقة سنوياً "نفطاً وغازاً" كانت وقبل ارتفاع الأسعار بنحو 55 مليار دولار، ولأنّ استمرار مد اليد، كتدخل دفاعي عن الليرة وفواتير الطاقة، قد يأتي على أهم نقاط قوة الاقتصاد التركي وعوامل استقراره. وسيكون الأثر على الليرة، استقراراً نسبياً موجهاً جرّاء دعم المركزي، لتكون، بحال وقف التدخل المباشر، بمواجهة حقيقية لمحدّدات قوتها، ويكون خفض نسبة التضخم الحل الوحيد لثبات السعر، إلى جانب دعم الصادرات وعائدات السياحية...وإلّا سيتواصل النزيف والتراجع.  وأما الآثار على الاقتصاد الكلي ومؤشرات النمو وتكاليف الإنتاج والصادرات، وسواها، فالحكم مرتبط بمآلات الحرب، اتساعاً وزمناً، لأنه وإن انتهت المعارك وعاودت أسعار الطاقة لما كانت عليه، ستجني تركيا فوائد كبيرة، إن بدأت من تعزيز الثقة بالاقتصاد والليرة والاستقرار، لن تنتهي عند حصتها من إعادة بناء الخراب بإيران. وأما إن توسعت الحرب أو طال أمدها، فقد تكون الآثار أبعد من تباطؤ الاقتصاد بسبب ارتفاع تكاليف الإقراض وتكاليف الإنتاج وتراجع قدرة المنتج التركي على المنافسة الخارجية. وأولاً وأخيراً، ولطالما معدة المستهلك، إلى جانب الاستقرار ومؤشرات الاقتصاد طبعاً، هي الفيصل الأصدق لأي خطة وبرنامج اقتصادي، تبقى نتائج مستوى وتكاليف المعيشة التي يصدرها اتحاد العمال، مطلع الشهر المقبل، هي الدليل على نجاعة تدخل المركزي وحكمة السياسة التركية بدفاعها الحذر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية