كيف تحولت الجغرافيا اليمنية إلى “رئة” استراتيجية لطهران؟
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة

 

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:

بعد مرور شهر كامل على اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت الحرب “انعطافه استراتيجية” كبرى مع إعلان جماعة الحوثي المسلحة رسمياً انخراطها في الصراع عبر إطلاق رشقات من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة نحو أهداف إسرائيلية في “إيلات” والنقب.

هذا التطور لم يعد مجرد “رسالة تضامن” رمزية، بل تحول إلى تهديد وجودي لشرايين الاقتصاد العالمي، مع وضع مضيق “باب المندب” على طاولة الخيارات العسكرية كأداة ضغط لفرض وقف الحرب أو انتزاع مكاسب سياسية واقتصادية معقدة.

فما الذي يعنيه ذلك؟ يجيب خبراء في هذا التقرير عن دوافع الحركة اليمنية وتداعيات ذلك محلياً وإقليمياً.

 

التحول الوظيفي.. الجغرافيا اليمنية في خدمة إيران

يرى هشام العميسي، مستشار الشؤون اليمنية في المعهد الأوروبي للسلام، أن الحوثيين يتبعون “نهجاً متدرجاً” في هذا الصراع؛ حيث يهدف دخولهم الآن إلى توسيع الجبهات لتخفيف الضغط العسكري عن أعضاء “محور المقاومة” الآخرين، لا سيما في ظل الهجمات المكثفة التي تستهدف البنية التحتية في إيران. ويؤكد العميسي أن هذا التحرك يسمح للجماعة بحشد الدعم الداخلي وتصوير نفسها كمدافع عن القضايا الإسلامية، مما يصرف الأنظار عن التحديات الاقتصادية والحوكمة داخل اليمن.

من جانبه، يحلل الدكتور هاني البسوس، أستاذ العلاقات الدولية، هذا الدخول باعتباره محاولة إيرانية لاستخدام كافة أوراق الضغط المتاحة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة مع وصول العمليات العسكرية إلى ذروتها وتهديد واشنطن بضرب منشآت الطاقة الإيرانية.

ويرى البسوس أن الحوثيين يمثلون “امتداداً وذراعاً أساسياً” لطهران في المنطقة، وأن توقيت تدخلهم يعكس استنفاد إيران لبعض خياراتها الصاروخية وحاجتها لتفعيل حلفائها في اليمن والعراق ولبنان للضغط الجماعي.

وفي السياق العسكري، يرى مايكل مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق، أن هذا التحرك منسق تماماً مع إيران التي تعتبر الحوثيين “أصلاً استراتيجياً” دعمتهم لسنوات.

ويشير مولروي إلى أن الخطر الأكبر يكمن في قدرة الجماعة على تعطيل حركة السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يضيف تعقيدات اقتصادية عالمية تفوق القدرة على التعامل العسكري الصرف، حيث يتطلب الأمر إقناع شركات التأمين والسفن التجارية بأن الممر آمن، وهو تحدٍ كبير للمجتمع الدولي.

باب المندب.. “قنبلة موقوتة

يؤكد الدكتور يوسف الشمري، رئيس كلية لندن لاقتصاديات الطاقة، أن مضيق باب المندب يمثل شرياناً حيوياً يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، بما في ذلك النفط والغاز والحبوب والأسمدة. ويرى الشمري أن أي تهديد في البحر الأحمر سيجبر السفن على تغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما يزيد من زمن الشحن وتكاليفه، ويؤدي بالضرورة إلى بقاء أسعار النفط فوق حاجز الـ 100 دولار لعدة أشهر بسبب “علاوة المخاطر الجيوسياسية”.

ويصف الدكتور “إتش إيه هيلير”،( Dr H.A. Hellyer) الزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، المضيق بأنه ممر ضيق للغاية (نحو 18 ميلاً في أضيق نقطة) ولا يوجد له بديل عملي قريب. ويشير هيلير إلى أن الخطر يكمن في أن الحوثيين لا ينفذون تصعيداً عشوائياً، بل يتبعون نمطاً دقيقاً ومحسوباً، مما يجعلهم أكثر خطورة. كما يرى أن أي تعطيل لهذا الممر سيكون له “آثار متتالية” على الاقتصاد العالمي تتجاوز مجرد قطاع الطاقة.

وعلى صعيد “كلفة المواجهة”، يوضح هشام العميسي أن الحوثيين أصبحوا بارعين في استخدام أسراب الطائرات المسيرة والزوارق الانتحارية التي لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، بينما تتطلب مواجهتها صواريخ اعتراضية باهظة الثمن. هذا الخلل في التوازن المادي يمنح الجماعة القدرة على الاستمرار في حرب استنزاف بحرية طويلة الأمد، حيث يصعب حماية كافة السفن طوال الوقت من هجمات الجماعة المتنوعة، وهو ما يدركه الحوثيون ويوظفونه ببراعة.

ويؤكد الخبير العسكري شون بيل أن محاولات واشنطن ولندن السابقة لتقويض قدرات الحوثيين لم تنجح في إخراجهم من “رقعة الشطرنج”، حيث تمكنت الجماعة من إعادة بناء مخزونها وتطوير قدرات محلية تجعل من خيار حماية كافة السفن التجارية طوال الوقت مهمة شبه مستحيلة للتحالف الدولي

الحرب كأداة لـ “الابتزاز السياسي”

من وجهة نظر سلطة الأمر الواقع، يصرح محمد منصور، وكيل وزارة الإعلام في حكومة الحوثيين، بأن تدخل اليمن “نوعي” وليس رمزياً، ويربط صراحة بين أمن الملاحة وبين “رفع الحصار عن اليمن”. ويدعي منصور أن الجماعة تتصرف كـ “دولة مستقلة” تقرر توقيت تدخلها بناءً على علاقتها الاستراتيجية مع إيران، محذراً من أن البحر الأحمر وباب المندب في مراحل قادمة في “المستقبل القريب” مرتبط بإنهاء القيود الاقتصادية على الجماعة.

وفيما يتعلق بالعلاقات مع الجوار، يرى السفير البريطاني السابق نيكولاس هوبتون أن التصعيد الحوثي قد يطيح بفرص تحويل الهدنة الهشة مع السعودية إلى اتفاق سلام دائم. فالحوثيون كانوا يطالبون الرياض بصرف رواتب الموظفين الحكوميين وتقديم تعويضات مالية، والآن يستخدمون التهديد باستهداف خطوط أنابيب النفط السعودية (شرق-غرب) والموانئ على البحر الأحمر كأوراق ضغط إضافية لإجبار المملكة على الرضوخ لمطالبهم.

ويوضح هشام العميسي أن الحوثيين يبعثون برسالة للرياض مفادها أنهم قادرون على الإضرار بمسارات تصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر في حال عدم الاستجابة لمطالبهم، مستغلين حاجة المملكة لاستقرار المنطقة لاستكمال مشاريعها الاقتصادية، مما يجعل من ملف الملاحة أداة ضغط سياسية بامتياز.

وفي ظل تعثر المساعي الدبلوماسية التي تقودها باكستان ورفض إيران لخطة “ترامب” المكونة من 15 بنداً، يبدو أن خيار التصعيد هو “اللغة الوحيدة” المتبقية. وبينما تلوح واشنطن باحتلال جزر إيرانية أو منشآت حيوية مثل “جزيرة خارق”، يرد الحوثيون بتأكيد جاهزيتهم لفتح “جبهة استنزاف” لا تنتهي.

في الخلاصة، يظل دخول الحوثيين الحرب “ورقة رابحة” لطهران وعاملاً مربكاً لواشنطن، لكنه يحمل مخاطر جسيمة على اليمن الذي قد يجد نفسه ساحة لتصفية حسابات دولية كبرى، خاصة مع التهديدات الإسرائيلية بفتح جبهة مواجهة مباشرة في الشمال اليمني يدفع المواطنون والبنية التحتية ثمنها.

 

 

The post كيف تحولت الجغرافيا اليمنية إلى “رئة” استراتيجية لطهران؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية